تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
واعلم أن أصحابنا قالوا : الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة الكلام في هذه الآية . والله أعلم بالصواب . المسألة الرابعة : في البحث عن هذه الآية . نقل عن ابن عباس أنه قال : جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل ، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً ، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال : * ( رب أرني أنظر إليك ) * قال صاحب " الكشاف " : ثاني مفعولي * ( أرني ) * محذوف ، أي * ( أرني ) * نفسك * ( أنظر إليك ) * وفي لفظ الآية سؤالات : السؤال الأول : النظر : إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته ، وعلى التقدير الأول : يكون المعنى أرني حتى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني : يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين : أحدهما : أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى . والثاني : أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد . والجواب : أن قوله : * ( أرني ) * معناه اجعلني متمكناً من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك . السؤال الثاني : كيف قال : * ( لن تراني ) * ولم يقل لن تنظر إلي ، حتى يكون مطابقاً لقوله : * ( أنظر إليك ) * . والجواب : أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه . والسؤال الثالث : كيف اتصل الاستدراك في قوله : * ( ولكن انظر إلى الجبل ) * بما قبله ؟ والجواب : المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق ، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية . أما قوله : * ( فلما تجلى ربه للجبل ) * فقال الزجاج : * ( تجلى ) * أي ظهر وبان ، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها ، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ ، وقوله : * ( جعله دكاً ) * قال الزجاج : يجوز * ( دكاً ) * بالتنوين و * ( دكاء ) * بغير تنوين أي جعله مدقوقاً مع الأرض يقال : دككت الشيء إذا دققته أدكه دكاً ، والدكاء والدكاوات : الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة . فعلى هذا ، الدك مصدر ، والدكاء اسم . ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله : * ( جعله دكاً ) * أنه قال : دكه دكاً مصدر مؤكد ، ويجوز جعله ذا دك . قال ومن قرأ * ( دكاء ) * ممدوداً أراد جعله دكاء أي أرضاً مرتفعة ، وهو
تفسير الرازي — صفحة 234 | فخر الدين الرازي