تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال : جعله تراباً . وقوله : * ( وخر موسى صعقاً ) * قال الليث : الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان ، والصعقة الغشية . يقال : صعق الرجل وصعق ، فمن قال صعق فهو صعق . ومن قال صعق فهو مصعوق . ويقال أيضاً : صعق إذا مات ، ومنه قوله تعالى : * ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض ) * ( الزمر : 68 ) فسروه بالموت . ومنه قوله : * ( يومهم الذي فيه يصعقون ) * أي يموتون . قال صاحب " الكشاف " : صعق أصله من الصاعقة ، ويقال لها : الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه . إذا عرفت هذا فنقول : فسر ابن عباس قوله تعالى : * ( وخر موسى صعقاً ) * بالغشي ، وفسره قتادة بالموت ، والأول أقوى ، لقوله تعالى : * ( فلما أفاق ) * قال الزجاج : ولا يكاد يقال للميت : قد أفاق من موته ، ولكن يقال للذي يغشى عليه : أنه أفاق من غشيه ، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا : * ( ثم بعثناكم من بعد موتكم ) * ( البقرة : 56 ) . أما قوله : * ( قال سبحانك ) * أي تنزيهاً لك عن أن يسألك غيرك شيئاً بغير إذنك ، * ( تبت إليك ) * وفيه وجهان : الأول : * ( تبت إليك ) * من سؤال الرؤية في الدنيا . الثاني : * ( تبت إليك ) * من سؤال الرؤية بغير إذنك * ( وأنا أول المؤمنين ) * بأنك لا ترى في الدنيا ، أو يقال : * ( وأنا أول المؤمنين ) * بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك . * ( قَالَ يا مُوسَى إِنْى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَآ ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ ) * . اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها ، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه ، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية ، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها . والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية ، وهذا أيضاً أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى ، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة .
تفسير الرازي — صفحة 235 | فخر الدين الرازي