ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى ، فهذه مقدمات ثلاثة .
أما المقدمة الأولى : فتقريرها من وجوه : الأول : ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة " لن " للتأبيد . قال الواحدي رحمه الله : هذه دعوى باطلة على أهل اللغة ، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ، ولا نقل صحيح . وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود * ( ولن يتمنوه أبداً ) * ( البقرة : 95 ) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة . والثاني : أن قوله : * ( لن تراني ) * يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضاً ضعيف ، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه . الثالث : أن قوله لن أفعل كذا ، يفيد تأكيد النفي ، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى : * ( لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ) * ( الحج : 73 ) وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية ، والجواب : أن * ( لن ) * لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه ، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال . فكان قوله : * ( لن تراني ) * نفياً لذلك المطلوب ، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا . فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة .
أما المقدمة الثانية : فقالوا : القائل اثنان : قائل يقول : إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضاً يراه ، وقائل ينفي الرؤية عن الكل ، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل .
وأما المقدمة الثالثة : فهي أن كل من نفي الوقوع نفي الصحة ، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل . واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى ، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية .
الحجة الثانية للقوم : أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقاً ، ولو كانت الرؤية جائزة . فلم خر عند سؤالها صعقاً ؟
والحجة الثالثة : أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك ، وهذه الكلمة للتنزيه ، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى ، فكان قوله : * ( سبحانك ) * تنزيهاً له عن الرؤية . فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى . وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات ، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات ، وذلك على الله محال . فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة .
والحجة الرابعة : قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال : * ( تبت إليك ) * ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال : * ( وأنا أول المؤمنين ) * .
تفسير الرازي — صفحة 233
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣٣