تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح ، وعلى كيفية تلك الكتابة ، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي ، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه . وأما قوله : من كل شيء ) * فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح . وأما قوله : * ( موعظة وتفصيلاً لكل شيء ) * فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله : * ( من كل شيء ) * وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين : أحدهما : * ( موعظة ) * والأخر * ( تفصيلاً ) * لما يجب أن يعلم من الأحكام ، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية ، وذلك بذكر الوعد والوعيد ، ولما قرر ذلك أولاً أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام ، فقال : * ( وتفصيلاً لكل شيء ) * ولما شرح ذلك ، قال لموسى : * ( فخذها بقوة ) * أي بعزيمة قوية ونية صادقة ، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها ، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقاً ، ليكون في هذا التفصيل فائدة ، ولذلك قال بعض المفسرين : إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد ، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره ، وقال بعضهم : بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء . وإن كان مشاركاً لقومه فيما عداه ، وفي قوله : * ( وامر قومك يأخذوا بأحسنها ) * . سؤال : وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به ، وظاهر قوله * ( يأخذوا بأحسنها ) * يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن ، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به ، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً : الأول : أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن ، كالقصاص ، والعفو ، والانتصار ، والصبر ، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن ، وأكثر للثواب كقوله : * ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم ) * ( الزمر : 55 ) وقوله : * ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) * ( الزمر : 18 ) . فإن قالوا : فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن ، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن ، وذلك يقدح في كونه حسناً فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض . الوجه الثاني : في الجواب قال قطرب * ( يأخذوا بأحسنها ) * أي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى : * ( ولذكر الله أكبر ) * ( العنكبوت : 45 ) وقول الفرزدق : بيتا دعائمه أعز وأطول ( c ) الوجه الثالث : قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات .
تفسير الرازي — صفحة 237 | فخر الدين الرازي