ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك ، فثبت أن هذا القول فاسد . وأما التأويل الرابع وهو أن يقال : المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه ، فهو أيضاً بعيد ، لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب أن يقول : أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية . علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة .
الحجة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله ، فإنه يقول له هذا لا يؤكل ، ولا يقول له لا تأكل . ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة ، لقال له : لا تأكلها أي هذا مما يؤكل ، ولكنك لا تأكله . فلما قال تعالى : * ( لن تراني ) * ولم يقل لا أرى ، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية .
الحجة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية ، أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة . إنما قلنا : إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل ، بدليل قوله تعالى : * ( فإن استقر مكانه فسوف تراني ) * واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه . فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه .
إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها ، لأنه لما كان ذلك الشرط أمراً جائز الوجود ، لم يلزم من فرض وقوعه محال ، فبتقدير حصول ذلك الشرط ، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب ، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول ، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله ، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية ، وذلك باطل .
فإن قيل : إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته ، واستقرار الجبل حال حركته محال . فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول ، لا على شرط جائز الحصول ، فلم يلزم صحة ما قلتموه ؟ والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال : إنه حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية كان ساكناً أو متحركاً ، فإن كان الأول ، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط ، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقراً ، ولما لم يكن مستقراً كان متحركاً . فثبت أن الجبل حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية ، كان متحركاً لا ساكناً . فثبت أن الشرط هو كون الجبل مستقراً حال كونه ساكناً
تفسير الرازي — صفحة 231
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣١