تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
موسى عليه السلام كافراً ، وذلك لا يقوله عاقل . وإن كان الثاني فنقول : لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل علماً بديهياً ضرورياً ، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلاً لموسى عليه السلام ، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية ، ومن كان كذلك فهو مجنون ، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام ، ما كان كامل العقل بل كان مجنوناً وذلك كفر بإجماع الأمة ، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام ، ما كان عالماً بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين ، فكان القول به باطلاً والله أعلم . وأما التأويل الثاني : وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه ، فهو أيضاً فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى : أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى : لن يروني ، فلما لم يكن كذلك ، بطل هذا التأويل . والثاني : أنه لو كان هذا السؤال طلباً للمحال ، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا : * ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) * ( الأعراف : 138 ) منعهم عنه بقوله : * ( إنكم قوم تجهلون ) * ( الأعراف : 138 ) والثالث : أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته ، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال ، فأما أن لا يذكر شيئاً من تلك الدلائل البتة ، مع أن ذكرها كان فرضاً مضيقاً ، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام ، وأنه لا يجوز . والرابع : أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية ، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام . أو ما آمنوا بها ، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل ، مجرد قول موسى عليه السلام ، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام ، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية ، بل هذا قول افتريته على الله تعالى ، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام * ( أرني أنظر إليك ) * . وأما التأويل الثالث : فبعيد أيضاً ويدل عليه وجوه : الأول : أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمراً أنظر إلى أمرك ، ثم حذف المفعول والمضاف ، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا ، وهو قوله : * ( أنظر إليك قال لن تراني ) * ( الأعراف : 143 ) فسوف تراني * ( فلما تجلى ربه للجبل ) * ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف . الثاني : أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل ، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث : أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول : أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود ؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد . الرابع : أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده ، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات
تفسير الرازي — صفحة 230 | فخر الدين الرازي