تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون ، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده ، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف . أما قوله تعالى : * ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ) * يقال : جاوز الوادي . إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره ، عبر به وقرئ * ( جوزنا ) * بمعنى : أجزنا . يقال : أجاز المكان وجوزه بمعنى : جازه * ( فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ) * قال الزجاج : يواظبون عليها ويلازمونها . يقال : لكل من لزم شيئاً وواظب عليه ، عكف يعكف ويعكف ، ومن هذا قيل لملازم المسجد معتكف . وقال قتادة : كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولاً بالريف . قال ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل . ثم حكى تعالى عنهم أنهم * ( قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) * واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة وخالقاً ومدبراً ، لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره : لا يمكن أن يكون خالقاً للعالم ومدبراً له ، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى ، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * ( الزمر : 3 ) . إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول : لم كان هذا القول كفراً ؟ فنقول : أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر ، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً للعالم ، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الأنعام والإكرام . فإن قيل : فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم ؟ قلنا : بل من بعضهم ، لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل . ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال : * ( إنكم قوم تجهلون ) * وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم ، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل ، وخلق الأشياء المنتفع بها ، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به .