قلنا : المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها ، فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها .
فإن قيل : أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة ؟ فكيف يكون الانتقام لهذين دون غيرهما .
قلنا : ليس في الآية بيان أنه تعالى انتقم منهم لهذين معاً دلالة على نفي ما عداه ، والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها ، ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها ، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم .
* ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الاَْرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ) * .
اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله : * ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ) * ( الأعراف : 129 ) فههنا لما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة ، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات ، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال : * ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) * والمراد من ذلك الاستضعاف أنه كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ، واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها ، فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام . ومصر ومغاربها ، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله وأيضاً قوله : * ( التي باركنا فيها ) * المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام .
والقول الثاني : المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان قد ملك الأرض ، وهذا يدل على أن الأرض ههنا اسم الجنس . وقوله : * ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل ) * قيل المراد من * ( كلمة ربك ) * قوله : * ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في
تفسير الرازي — صفحة 221
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢١