أنهم يناقضون أنفسهم في هذه الأقاويل .
وأما قوله تعالى حكاية عنهم : * ( ادع لنا ربك بما عهد عندك ) * فقال صاحب " الكشاف " : ما في قوله : * ( بما عهد عندك ) * مصدرية والمعنى : بعهده عندك وهو النبوة ، وفي هذه الباء وجهان :
الوجه الأول : أنها متعلقة بقوله : * ( ادع لنا ربك ) * والتقدير * ( ادع لنا ) * متوسلاً إليه بعهده عندك .
والوجه الثاني : في هذه الباء أن تكون قسماً وجوابها قوله : * ( لنؤمنن لك ) * أي أقسمنا بعهد الله عندك * ( لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ) * وقوله : * ( ولنرسلن معك بني إسرائيل ) * كانوا قد أخذوا بني إسرائيل بالكد الشديد فوعدوا موسى عليه السلام على دعائه بكشف العذاب عنهم الإيمان به والتخلية عن بني إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين شاء . وقوله : * ( فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه ) * المعنى أنا ما أزلنا عنهم العذاب مطلقاً ، وما كشفنا عنهم الرجز في جميع الوقائع ، بل إنما أزلنا عنهم العذاب إلى أجل معين ، وعند ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به وقوله : * ( إذا هم ينكثون ) * هو جواب لما يعني فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث وبادروه ولم يؤخروه كما كشفنا عنهم نكثوا .
* ( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) * .
واعلم أن المعنى أنه تعالى ، لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم ، ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق ، والانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب ، واليم البحر ، قال صاحب " الكشاف " : اليم البحر الذي لا يدرك قعره ، وقيل : هو لجة البحر ومعظم مائه ، واشتقاقه من التيمم ، لأن المستقين به يقصدونه وبين تعالى بقوله : * ( بأنهم كذبوا بآياتنا ) * أن ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب . وقوله : * ( وكانوا عنا غافلين ) * اختلفوا في الكناية في عنها فقيل أنها عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله : * ( انتقمنا ) * والمعنى وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين ، وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار الزجاج . قال : لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم .
فإن قيل : الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة .
تفسير الرازي — صفحة 220
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٠