تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
واعلم أن الأمين هو الثقة ، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين بمعنى واحد . واعلم أن القوم لما قالوا له : * ( إنا لنراك في سفاهة ) * فهو لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة بل قابلها بالحلم والإغضاء ولم يزد على قوله : * ( ليس بي سفاهة ) * وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما قال : * ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) * ( الفرقان : 72 ) . أما قوله : * ( ولكني رسول من رب العالمين ) * فهو مدح للنفس بأعظم صفات المدح . وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك ، وذلك يدل على أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز . والفرق السادس : بين القصتين أن نوحاً عليه السلام قال : * ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون ) * ( الأعراف : 63 ) وفي قصة هود أعاد هذا الكلام بعينه إلا أنه حذف منه قوله : * ( ولتتقوا ولعلكم ترحمون ) * والسبب فيه أنه لما ظهر في القصة الأولى أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن إلى إعادته في هذه القصة حاجة ، وأما بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام : * ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) * ( الأعراف : 69 ) . واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع ، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة ، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام : الأول : أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح ، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح . والثاني : قوله : * ( وزادكم في الخلق بسطة ) * وفيه مباحث : البحث الأول : * ( الخلق ) * في اللغة عبارة عن التقدير ، فهذا اللفظ إنما ينطلق على الشيء الذي له مقدار وجثة وحجمية ، فكان المراد حصول الزيادة في أجسامهم ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة ، وذلك لأن القوى والقدر متفاوتة ، فبعضها أعظم وبعضها أضعف . إذا عرفت هذا فنقول : لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة ، فليس في اللفظ البتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد ، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الأنعام فائدة . قال الكلبي : كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً ، وقال آخرون : تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما ، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر ، وقال قوم يحتمل أن يكون المراد من قوله :