العذاب ، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير ، وأيضاً الرجس ضد التزكية والتطهير . قال تعالى : * ( تطهرهم وتزكيهم بها ) * ( التوبة : 103 ) وقال في صفة أهل البيت : * ( ويطهركم تطهيراً ) * ( الأحزاب : 33 ) والمراد التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون الرجس عبارة عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة . إذا ثبت هذا فقوله : * ( قد وقع عليكم من ربكم رجس ) * يدل على أنه تعالى خصهم بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة ، وذلك يدل على أن الخير والشر من الله تعالى ، قال القفال : يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كقوله تعالى : * ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) * ( التوبة : 125 ) أي قد وقع عليكم من الله
رين على قلوبكم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي .
واعلم أنا قد دللنا على أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله ، فهذا الذي قاله القفال أن كان المراد منه ذلك . فقد جاء بالوفاق . إلا أنه شديد النفرة عن هذا المذهب وأكثر تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على أنه لا يقول بهذا القول وإن كان المراد منه الجواب عما شرحناه ، فهو ضعيف لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذي ذكرناه ، والله أعلم .
وحاصل الكلام في الآية : أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفراً ، وهو المراد من قوله : * ( قد وقع عليكم من ربكم رجس ) * ثم خصهم بمزيد الغضب ، وهو قوله : * ( وغضب ) * .
ثم قال : * ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ) * والمراد منه : الاستفهام على سبيل الإنكار ، وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة ، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ، وسموا واحداً منها بالعزى مشتقاً من العز ، والله ما أعطاه عزاً أصلاً ، وسموا آخر منها باللات ، وليس له من الإلهية شيء . وقوله : * ( ما نزل الله بها من سلطان ) * عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة ، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيداً مجددا فقال : * ( فانتظروا ) * ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام * ( إني معكم من المنتظرين ) * .
ثم إنه تعالى أخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال : * ( فأنجيناه والذين معه برحمة منا ) * إذ كانوا مستحقين للرحمة بسبب إيمانهم ، وقطعنا دابر الذين كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود ، والمراد أنه تعالى أنزل عليهم عذاب الاستئصال الذي هو الريح ، وقد بين الله كيفيته في غير هذا الموضع ، وقطع الدابر : هو الاستئصال ، فدل بهذا اللفظ أنه تعالى ما أبقى منهم أحداً ، ودابر الشيء آخره .
تفسير الرازي — صفحة 160
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٦٠