تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وجهين : أحدهما : أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتاباً ، وكان ذلك الكتاب معجزاً ، فسماه الله تعالى ذكراً ، كما سمي القرآن بهذا الاسم ، وجعله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم . والثاني : أن ذلك المعجز كان شيئاً آخر سوى الكتاب . وقوله : * ( على رجل ) * قال الفراء : * ( علي ) * ههنا بمعنى مع ما تقول : جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه ، كلاهما جائز . وقال ابن قتيبة : أي على لسان رجل منكم ، كما قال * ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) * ( آل عمران : 194 ) أي على لسان رسلك . وقال آخرون : * ( ذكر من ربكم ) * منزل على رجل ، وقوله : * ( منكم ) * أي تعرفون نسبه فهو منكم نسباً ، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب ، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف ، وبطهارة أحواله أعلم ، وبما يقتضي السكون إليه أبصر ، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول ، فقال : * ( لينذركم ) * وما لأجله ينذر ، فقال : * ( ولتتقوا ) * وما لأجله يتقون ، فقال : * ( ولعلكم ترحمون ) * وهذا الترتيب في غاية الحسن ، فإن المقصود من البعثة الإنذار ، والمقصود من الإنذار . التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى ، الفوز بالرحمة في دار الآخرة . قال الجبائي والكعبي والقاضي : هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم ، التقوى والفوز بالرحمة ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والعناد ، وخلقهم لأجل العذاب والنار . وجواب أصحابنا أن نقول : إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح ، وإن توقف لزم الجبر ، ومتى لزم ذلك وجب القطع ، فإنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، وذلك يبطل مذهبكم . ثم بين تعالى أنهم مع لك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب ، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين . وبين العلة في ذلك فقال : * ( إنهم كانوا قوماً عمين ) * قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، قال أهل اللغة : يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر * ( فعميت عليهم الأنباء يومئذ ) * ( القصص : 66 ) وقال : * ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ) * ( الأنعام : 104 ) قال زهير : وأعلم ما في اليوم والأمس قبله * ولكنني عن علم ما في غد عمي قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( عامين ) * والفرق بين العمي والعامي أن العمي يدل على عمي ثابت . والعامي على عمي حادث ، ولا شك أن عماهم كان ثابتاً راسخاً ، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى : * ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) * ( هود : 36 ) .