تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
القوم من قولهم لنوح عليه السلام : * ( إنا لنراك في ضلال مبين ) * هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال ، وذلك من وجوه : أحدها : أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه ، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف . والتكليف لا منفعة فيه للمعبود لكونه متعالياً عن النفع والضرر ، ولا منفعة فيه للعابد ، لأنه في الحال يوجب المضرة العظيمة ، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب ، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف ، فيكون التكليف عبثاً ، والله متعال عن العبث ، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة . وثانيها : أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا : ما علم حسنه بالعقل فعلناه ، وما علم قبحه تركناه ، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه ، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه ، لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به ، وإن لم نكن مضطرين إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب ، ولما كان رسول العقل كافياً فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر . وثالثها : أن بتقدير : أنه لا بد من الرسول ؛ فإن إرسال الملائكة أولى ، لأن مهابتهم أشد ، وطهاراتهم أكمل ، واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر ، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم . ورابعها : أن بتقدير : أن يبعث رسولاً من البشر ، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيراً ، ولم يكن له تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة ، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح عليه السلام أنه من باب الوحي ، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان ، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة ، ثم أن نوحاً عليه الصلام أزال تعجبهم وقال : إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة ، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء ، وهو ينافي التكليف ، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : * ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ) * ( الأنعام : 9 ) فبقي أن يكون إيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان ، وذلك الإنسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم ، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة تكليف الله ، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله ، فهذا هو المراد من قوله : * ( لينذركم ولتتقوا لعلكم ترحمون ) * ( الأعراف : 63 ) . إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية . أما قوله : * ( أوعجبتم ) * فالهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ، كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ؟ أي عجبتم أن جاءكم ذكر . وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوهاً . قال الحسن : إنه الوحي الذي جاءهم به . وقال آخرون : المراد بهذا الذكر المعجز ، ثم ذلك المعجز يحتمل