تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) * ( غافر : 60 ) في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله : * ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) * ( البقرة : 186 ) والله أعلم . المسألة الثانية : في تقرير شرائط الدعاء . اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهداً لحاجة نفسه ولعجز نفسه ومشاهداً لكون مولاه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فكل هذه المعاني دخلت تحت قوله : * ( ادعوا ربكم تضرعاً ) * ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل الخلوص ، فلا بد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص ، وهو المراد من قوله تعالى : * ( وخفية ) * والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الإخلاص عن شوائب الرياء ، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه : * ( تضرعاً وخفية ) * مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء ، وأنه لا يزيد عليه البتة بوجه من الوجوه ، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط ، فقد بالغ في شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة الله عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك . المسألة الثالثة : " التضرع " التذلل والتخشع ، وهو إظهار ذل النفس من قولهم : ضرع فلان لفلان ، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال " والخفية " ضد العلانية . يقال : أخفيت الشيء إذا سترته ، ويقال : * ( خفية ) * أيضاً بالكسر ، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه * ( خفية ) * بكسر الخاء ههنا وفي الأنعام ، والباقون بالضم ، وهما لغتان : واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء ، ويدل على وجوه : الأول : هذه الآية فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء ، وظاهر الأمر للوجوب ، فإن لم يحصل الوجوب ، فلا أقل من كونه ندباً . ثم قال تعالى بعده : * ( إنه لا يحب المعتدين ) * والأظهر أن المراد أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين ، وهما التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة عن الثواب ، فكان المعنى أن من ترك في الدعاء التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يثيبه البتة ، ولا يحسن إليه ، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة ، فظهر أن قوله تعالى : * ( إنه لا يحب المعتدين ) * كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء . الحجة الثانية : أنه تعالى أثنى على زكريا فقال : * ( إذ نادى ربه نداء خفياً ) * ( مريم : 3 ) أي أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه .
تفسير الرازي — صفحة 130 | فخر الدين الرازي