الحجة الثالثة : ما روى أبو موسى الأشعري ، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام : " ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وإنه لمعكم " .
الحجة الرابعة : قوله عليه السلام : " دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية " وعنه عليه السلام : " خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي " وعن الحسن أنه كان يقول : إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره ، يفقه الكثير وما يشعر به الناس ، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواماً كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همساً ، لأن الله تعالى قال : * ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) * وذكر الله عبده زكريا فقال : * ( إذ نادى ربه نداء خفياً ) * .
الحجة الخامسة : المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في الرياء والسمعة ، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا يبقى فيه فائدة البتة . فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصوناً عن الرياء وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها ، وهي : أنه هل الأولى إخفاء العبادات أم إظهارها ؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صوناً لها عن الرياء وقال آخرون : الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات . وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال : إن كان خائفاً على نفسه من الرياء الأولى الإخفاء صوناً لعمله عن البطلان ، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمناً عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء .
المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله ، إخفاء التأمين أفضل . وقال الشافعي رحمه الله ، إعلانه أفضل ، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله ، قال : في قوله : " آمين " وجهان : أحدهما : أنه دعاء . والثاني : أنه من أسماء الله ، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى : * ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) * وإن كان اسماً من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى : * ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ) * ( الأعراف : 205 ) فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية ونحن بهذا القول نقول :
أما قوله تعالى : * ( إنه لا يحب المعتدين ) * ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى ، لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة . واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء ، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال بالاتفاق ، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال :
تفسير الرازي — صفحة 131
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٣١