تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الفساق ، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه من وجهين : الأول : أن لفظ * ( المعتدين ) * لفظ عام دخله الألف واللام ، فيفيد الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . الثاني : أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى تركه ، وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد . والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا يفيد القطع بالوعيد . ثم قال تعالى : * ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : * ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) * معناه ولا تفسدوا شيئاً في الأرض ، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع الأعضاء ، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل ، وإفساد الأديان بالكفر والبدعة ، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب القذف ، وإفساد العقول بسبب شرب المسكرات ، وذلك لأن المصالح المعتبرة في الدنيا هي هذه الخمسة : النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول . فقوله : * ( ولا تفسدوا ) * منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود ، والمنع من إدخال الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه ، فيتناول المنع من الإفساد في هذه الأقسام الخمسة ، وأما قوله : * ( بعد إصلاحها ) * فيحتمل أن يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق لمصالح المكلفين ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال : لما أصلحت مصالح الأرض بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها ، ولا تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع ، فإن ذلك يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض ، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح ، وذلك مستكره في بداهة العقول . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع على الإطلاق . إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصاً خاصاً دل على جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه هذا النص . واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) * ( الأعراف : 32 ) أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل ، ثم بينا أنه لما كان الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى ، فكذلك في هذه الآية أنها تدل
تفسير الرازي — صفحة 133 | فخر الدين الرازي