تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
فنقول : الحق أنه متى ثبت كونه تعالى خالقاً لبعض الأشياء ، وجب كونه خالقاً لكل الممكنات ، وتقريره : أن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه ، والإمكان واحد في كل الممكنات ، وهذا الإمكان إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين ، أو إلى مؤثر غير متعين . والثاني باطل ، لأن كل ما كان موجوداً في الخارج ، فهو متعين في نفسه ، فيلزم منه أن ما لا يكون متعيناً في نفسه لم يكن موجوداً في الخارج . وما لا وجود له في الخارج امتنع أن يكون علة لوجود غيره في الخارج ، فثبت أن الإمكان علة للحاجة إلى موجد ومعين ، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجاً إلى ذلك المعين . فثبت أن الذي يكون مأثراً في وجود شيء واحد ، هو المؤثر في وجود كل الممكنات . أما قوله تعالى : * ( تبارك الله رب العالمين ) * فاعلم أنه سبحانه لما بين كونه خالقاً للسموات ، والأرض ، والعرش ، والليل ، والنهار ، والشمس ، والقمر ، والنجوم وبين كون الكل مسخراً في قدرته وقهره ومشيئته ، وبين أن له الحكم والأمر والنهي والتكليف ، بين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه ، فقال : * ( تبارك الله رب العالمين ) * وقد تقدم تفسير * ( تبارك ) * فلا نعيده . واعلم أنه تعالى بدأ في أول الآية : رب السماوات والأرضين ، وسائر الأشياء المذكورة ، ثم ختم الآية بقوله : * ( تبارك الله رب العالمين ) * والعالم كل موجود سوى الله تعالى ، فبين كونه رباً وإلهاً وموجوداً ومحدثاً لكل ما سواه ، ومع كونه كذلك فهو رب ومرب ومحسن ومتفضل ، وهذا آخر الكلام في شرح هذه الآية . * ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على كمال القدرة والحكمة والرحمة ، وعند هذا تم التكليف المتوجه إلى تحصيل المعارف النفسانية ، والعلوم الحقيقية ، أتبعه بذكر الأعمال اللائقة بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع ، فإن الدعاء مخ العبادة ، فقال : * ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ) * وفي الآية مسائل :