المسألة الأولى : قوله : * ( ادعوا ربكم ) * فيه قولان : قال بعضهم : * ( اعبدوا ) * وقال آخرون : هو الدعاء ، ومن قال بالأول عقل من الدعاء أنه طلب الخير من الله تعالى ، وهذه صفة العبادة ، لأنه يفعل تقرباً ، وطلباً للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله : * ( وادعوه خوفاً وطمعاً ) * ( الأعراف : 56 ) والمعطوف ينبغي أن يكون مغايراً للمعطوف عليه . والقول الثاني هو الأظهر ، لأن الدعاء مغاير للعبادة في المعنى .
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الدعاء ، فمنهم من أنكره . واحتج على صحة قوله بأشياء : الأول : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع لامتناع وقوع التغيير في علم الله تعالى ، وما كان واجب الوقوع لم يكن في طلبه فائدة ، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة أيضاً في طلبه . الثاني : أنه تعالى إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك المطلوب ، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أو لم يحصل ، وإن كان قد أراد في الأزل أن لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب ، وإن قلنا أنه ما أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه ، ثم إنه عند ذلك الدعاء ، صار مريداً له لزم وقوع التغير في ذات الله وفي صفاته ، وهو محال . لأن على هذا التقدير : يصير إقدام العبد على الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله تعالى ، فيكون العبد متصرفاً في صفة الله بالتبديل والتغيير ، وهو محال . والثالث : أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه ، فهو تعالى يعطيه من غير هذا الدعاء لأنه منزه عن أن يكون بخيلاً وأن اقتضت الحكمة منعه ، فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه . والرابع : أن الدعاء غير الأمر ، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل رتبة ، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر الله سوء أدب ، وإنه لا يجوز . الخامس : الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه وإلهه إلى فعل الأصلح والأصوب ، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الإله على شيء ما كان منتبهاً له ، وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الإحسان والفضل فأنت بهذا تحمله على الإقدام على الإحسان والفضل ، وذلك جهل . السادس : إن الإقدام على الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ لو رضي بما قضاه الله عليه لترك تصرف نفسه ، ولما طلب من الله شيئاً على التعيين وترك الرضا بالقضاء أمر من المنكرات . السابع : كثيراً ما يظن العبد بشيء كونه نافعاً وخيراً ، ثم أنه عند دخوله في الوجود يصير سبباً للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة ، وإذا كان كذلك كان طلب الشيء المعين من الله غير جائز ، بل الأولى طلب ما هو المصلحة والخير ، وذلك حاصل من الله تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه . فلم يبق في الدعاء فائدة . الثامن : أن الدعاء عبارة عن
تفسير الرازي — صفحة 128
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٨