ثم قال في أثناء هذه القصيدة : هنا على الله ماضينا وغابرنا * فما لنا في نواحي غيره
المسألة السادسة : قال قوم : * ( الخلق ) * صفة من صفات الله وهو غير المخلوق ، واحتجوا عليه بالآية والمعقول . أما الآية فقوله تعالى : * ( ألا له الخلق والأمر ) * قالوا : وعند أهل السنة * ( الأمر ) * لله لا بمعنى كونه مخلوقاً له ، بل بمعنى كونه صفة له فكذلك يجب أن يكون * ( الخلق ) * لله لا بمعنى كونه مخلوقاً له بل بمعنى كونه صفة له ، وهذا يدل على أن الخلق صفة قائمة بذات الله تعالى . وأما المعقول فهو أنا إذا قلنا : لم حدث هذا الشيء ولم وجد بعد أن لم يكن ؟ فنقول : في جوابه لأنه تعالى خلقه وأوجده فحينئذ يكون هذا التعليل صحيحاً ، فلو كان كونه تعالى خالقاً له نفس حصول ذلك المخلوق لكان قوله أنه إنما حدث لأنه تعالى خلقه وأوجده جارياً مجرى قوله : أنه إنما حدث لنفسه ولذاته لا لشيء آخر ، وذلك محال باطل ، لأن صدق هذا المعنى ينفي كونه مخلوقاً من قبل الله تعالى . فثبت أن كونه تعالى خالقاً للمخلوق مغايراً لذات ذلك المخلوق ، وذلك يدل على أن الخلق غير المخلوق وجوابه : لو كان الخلق غير المخلوق لكان أن كان قديماً لزم من قدمه قدم المخلوق ، وإن كان حادثاً افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل وهو محال .
المسألة السابعة : ظاهر الآية يقتضي أنه كما لا خلق إلا لله ، فكذلك لا أمر إلا لله ، وهذا يتأكد بقوله تعالى : * ( إن الحكم إلا لله ) * ( الأنعام : 57 ) وقوله : * ( فالحكم لله العلي الكبير ) * ( غافر : 12 ) وقوله : * ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) * ( الروم : 4 ) إلا أنه مشكل بالآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى : * ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) * ( النور : 63 ) وأما الخبر فقوله عليه السلام : " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " .
والجواب : أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن أمر الله قد حصل ، فيكون الموجب في الحقيقة هو أمر الله لا أمر غيره . والله أعلم .
المسألة الثامنة : قوله : * ( ألا له الخلق والأمر ) * يدل على أن لله أمراً ونهياً على عباده ، وأن له تكليفاً على عباده ، والخلاف مع نفاة التكليف . واحتجوا عليه بوجوه : أولها : أن المكلف به إن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع . فكان الأمر به أمراً بتحصيل الحاصل وأنه محال ، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان الأمر به أمراً بما يمتنع وقوعه وهو محال ، وثانيها : أنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله ، كان واجب الوقوع ، فلا فائدة في الأمر ، وإن لم يخلق الداعي إليه كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في الأمر به . وثالثها : أن أمر الكافر والفاسق لا يفيد إلا الضرر المحض ، لأنه لما علم الله أنه لا يؤمن ولا يطيع ، امتنع أن يصدر عنه الإيمان والطاعة ، إلا إذا
تفسير الرازي — صفحة 125
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٥