تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
اعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد الله ، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة ، وهو قوله * ( أوفوا بالعقود ) * ( المائدة : 1 ) فقال * ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) * يعني خلقنا الدلائل وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ، وأرسلنا إليهم رسلاً بتعريف الشرائع والأحكام . وقوله * ( كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ) * جملة شرطية وقعت صفة لقوله * ( رسلاً ) * والراجع محذوف ، والتقدير : كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم ، أي بما يخالف أهواءهم وما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف . وههنا سؤالات : الأول : أي جواب الشرط ؟ فإن قوله * ( فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون ) * لا يصلح أن يكون جواباً لهذا الشرط ، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين . والجواب : أن جواب الشرط محذوف ، وإنما جاز حذفه لأن الكلام المذكور دليل عليه ، والتقدير : كلما جاءهم رسول ناصبوه ، ثم إنه قيل : فكيف ناصبوه ؟ فقيل : فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون . وقوله : الرسول الواحد لا يكون فريقين . فنقول : إن قوله * ( كلما جاءهم رسول ) * يدل على كثرة الرسل ، فلا جرم جعلهم فريقين . السؤال الثاني : لم ذكر أحد الفعلين ماضياً ، والآخر مضارعاً ؟ والجواب : أنه تعالى بيّن أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام ، وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه ، وأنه عليه السلام إنما توفى في التيه في قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين . وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام ، وكانوا قد قصدوا أيضاً قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه ، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام ، لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة ، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريباً فكان كالحاضر . السؤال الثالث : ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى : * ( فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون ) * . والجواب : قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية ، فالتكذيب والقتل وإن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح ، فكان التقديم لهذه الفائدة .