تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
جمعاً منهم آمنوا به : مثل عبد الله بن سلام وأصحابه . الثاني : عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت ، وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة : الثالث : قال القفال رحمه الله تعالى : ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيراً لهذه الآية فقال * ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ) * ( الإسراء : 4 - 6 ) فهذا في معنى * ( فعموا وصموا ) * ثم قال * ( فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ) * ( الإسراء : 7 ) فهذا في معنى قوله * ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) * الرابع : أن قوله * ( فعموا وصموا ) * إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب الله عليهم ، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى . المسألة الثانية : قرئ . * ( عموا وصموا ) * بالضم على تقدير : عماهم الله وصمهم الله ، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما تقول نزكته إذا ضربته بالنزك ، وهو رمح قصير ، وركبته إذا ضربته بركبتك . المسألة الثالثة : في قوله * ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) * وجوه : الأول : على مذهب من يقول من العرب " أكلوني البراغيث " والثاني : أن يكون * ( كثير منهم ) * بدلاً عن الضمير في قوله * ( ثم عموا وصموا ) * والإبدال كثير في القرآن قال تعالى : * ( الذي أحسن كل شيء خلقه ) * ( السجدة : 7 ) وقال : * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) * ( آل عمران : 97 ) وهذا الإبدال هاهنا في غاية الحسن ، لأنه لو قال : عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك ، فلما قال * ( كثير منهم ) * دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل . الثالث : أن قوله * ( كثير منهم ) * خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هم كثير منهم . المسألة الرابعة : لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر ، فنقول : إن فاعل هذا الجهل هو الله تعالى أو العبد ، والأول : يبطل قوله المعتزلة ، والثاني : باطل لأن الإنسان لا يختار البتة تحصيل الجهل والكفر لنفسه . فإن قالوا : إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم . قلنا : حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر ، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لا بدّ من انتهائها إلى الجهل الأول ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه ، فوجب أن يكون فاعله هو الله تعالى .