تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
وأعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وبيانه من وجوه : الأول : أن هذه الأشياء التي تسميها النحويون : رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها ، فإن هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال ، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى . والوجه الثاني : في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة ( أن ) مؤثرة في نصب الاسم ورفع الخبر ، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولن : لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر البتة ، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة . والوجه الثالث : وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبراً عنها ، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته ، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة . وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحداً إلا أنه في التقدير متعدد ، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية ، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعاً بالحرف والبعض بالابتداء ، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد . والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه ، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبراً ، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء . وإذا ثبت هذا فنقول : إن قبل ذكر الخبر إذ عطفنا اسماً على حكم صريح العقل أنه لا بدّ من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة ، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بيّن أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا ، بين أن هذا الحكم عام في الكل ، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً ، وذلك لأن الإنسان له قوتان : القوة النظرية ، والقوة العملية ، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق ، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير ، وأعظم المعارف شرفاً معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى ، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادراً على الحشر والنشر ، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم لآخر ، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران : المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق