تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
* ( وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) * ثم قال تعالى : * ( وحسبوا أن لا تكونن فتنة ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرون * ( أن لا تكون فتنة ) * برفع نون ( تكون ) والباقون بالنصب ، وذكر الواحدي لهذا تقريراً حسناً فقال : الأفعال على ثلاثة أضرب : فعل يدل علي ثبات الشيء واستقراره نحو : العلم والتيقن والتبين ، فما كان مثل هذا يقع بعده ( أن ) الثقيلة ولم يقع بعده ( أن ) الخفيفة الناصبة للفعل ، وذلك لأن الثقيلة تدل على ثبات الشيء ، واستقراره ، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و ( إن ) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : * ( ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) * ( النور : 25 ) * ( ألم يعلموا أن لله هو يقبل التوبة عن عباده ) * ( التوبة : 104 ) * ( ألم يعلم بأن الله يرى ) * ( العلق : 14 ) والباء زائدة . والضرب الثاني : فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار ، نحو : أطمع وأخاف وأرجو ، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل ، قال تعالى : * ( والذين أطمع أن يغفر لي خطيئتي ) * ( الشعراء : 82 ) * ( تخافون أن يتخطفكم الناس ) * ( الأنفال : 26 ) * ( فخشيا أن يرهقهما ) * ( الكهف : 80 ) . والضرب الثالث : فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى إلى ذلك القبيل نحو : حسب وأخواتها ، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتاً ومستقراً ، وتارة بمعنى العلم فيما يكون مستقراً . إذا عرفت هذا فنقول : يمكن إجراء الحسبان ههنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملاً لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله * ( أن لا تكون ) * كان المعنى : أنه لا تكون ، ثم خففت المشددة وجعلت ( لا ) عوضاً من حذف الضمير ، فلو قلت : علمت أن يقول : بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضاً من حذف الضمير : نحو السين وسوف وقد ، كقوله * ( علم أن سيكونن ) * ( المزمل : 20 ) ووجه النصب ظاهر . ثم قال الواحدي : وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة