تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
كما قال عليه الصلاة والسلام : " التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله " ثم بيّن تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير خوف ولا حزن . والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل ، والحزن بالماضي ، فقال * ( لا خوف عليهم ) * بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة * ( ولا هم يحزنون ) * بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم أشرف وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا ، ومن كان كذلك فإنه لا يحزن طيبات الدنيا . فإن قيل : كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوماً عن أهوال القيامة ؟ والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح ، ولا يكون آتياً بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركاً لجميع المعاصي ، والثاني : أنه إن حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : أنه تعالى شرط عدم الخوف وعدم الحزن بالإيمان والعمل الصالح ، والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط ، فلزم أن من لم يأت مع الإيمان بالعمل الصالح فإنه يحصل له الخوف والحزن ، وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة . والجواب : أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا محالة ، فكان الخوف والحزن حاصلاً قبل إظهار العفو . المسألة الخامسة : أنه تعالى قال في أول الآية * ( إن الذين آمنوا ) * ثم قال في آخر الآية * ( من آمن بالله ) * وفي هذا التكرير فائدتان ، الأولى : أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون ، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف وعدم الحزن . الفائدة الثانية : أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان ، والإيمان يدخل تحته أقسام ، وأشرفها الإيمان بالله واليوم لآخر ، فكانت الفائدة في الإعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان ، وقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في قوله * ( يا أيها الذين آمنوا ) * وكلها صالحة لهذا الموضع . المسألة السادسة : لراجع إلى اسم * ( إن ) * محذوف ، والتقدير : من آمن منهم ، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوماً ، والله أعلم . قوله تعالى * ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) *