يردّ ذا الشيبة المسلم » ( 1 ) والمراد به الأسنّ في الإسلام ، كما صرّحوا به في باب الجماعة ، لا مطلق السنّ . واقتصر الشيخ ( 2 ) وجماعة ( 3 ) على تقديم الأسنّ ، وانتقلوا بعده إلى القرعة . ودلائلهم على ذلك تقتضي اعتبار مرجّحات الإمامة في اليوميّة إذ لا نصّ على الخصوص هنا يقتضي تقديم الأقرأ أو الأفقه أو الأسنّ ، فلا وجه حينئذٍ لتخصيص هذه المرجّحات الثلاثة ، فعلى هذا يقدّم بعد التساوي في السنّ الأسبق هجرةً ثمّ الأصبح وجهاً أو ذكراً ، كما سيأتي إن شاء اللَّه في باب الجماعة . والمراد بالهجرة في الأصل الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وأمّا في زماننا فيحتمل كونها كذلك . فإن لم تتّفق ، كانت كباقي الأوصاف المعدومة ، حملًا للَّفظ على حقيقته . وذكر الأصحاب لها في زماننا تفسيراتٍ أُخر أحسنها : أنّ المراد بها سكنى الأمصار لأنّها تقابل سكنى البادية مجازاً عن الهجرة الحقيقيّة لأنّ الأمصار مظنّة الاتّصاف بشرائط الإمامة واكتساب كمالات النفس ، بخلاف غيرها من البوادي والقرى التي يغلب على أهلها جفاء الطبع والبُعْد عن العلوم وكمالات النفس ، وقد روي عن النبيّ « أنّ الجفاء والقسوة في الفدّادين » ( 4 ) . قال الهروي ناقلًا عن أبي عمرو : هي الفدادين مخفّفة واحدها : فدّان مشدّد ، وهي البقرة التي يحرث بها ، وأهلها أهل جفاء لبُعْدهم من الأمصار ، فأراد أصحاب الفدادين ، كما قال تعالى : * ( وسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) * ( 5 ) و ( 6 ) . وحكي فيه التشديد ، وهم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم من أهل القرى والبوادي ، يقال : فدّ الرجل يفدّ : إذا اشتدّ صوته . ( 7 )
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج ) — صفحة 831
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٨٣١
هامش
( 1 ) تلخيص الحبير 2 : 118 / 762 وأورده الشهيد في الذكرى 1 : 423 .
( 2 ) المبسوط 1 : 184 .
( 3 ) كما في جامع المقاصد 1 : 411 .
( 4 ) غريب الحديث للهروي 1 : 202 المعجم الكبير للطبراني 17 : 208 - 209 / 564 .
( 5 ) يوسف ( 12 ) : 82 .
( 6 ) الغريبين للهروي 5 : 1421 ، « ف د د » .
( 7 ) الغريبين للهروي 5 : 1421 ، « ف د د » .