ثانياً على الوجه المخصوص يكون بدعةً وإحداثاً في الدين ما ليس منه ، فيكون محرّماً ، ولا يجبر ذلك كونه ذكر اللَّه لمنع كون جميع فصوله ذكراً ، وليس الكلام فيما يجعل من فصوله ذكراً مطلقاً من غير أن يعدّ وظيفة خاصّة ، كما يفعله العامّة يوم الجمعة على الخصوص ، فضعف حينئذٍ قول المعتبر ( 1 ) ومَنْ تبعه بالكراهة استضعافاً للرواية الدالَّة على بدعيّته ، واحتجاجاً بكونه ذكر اللَّه . وأوّلها في الذكرى بأنّ البدعة ما لم يكن في عهدهُ ، وهي تنقسم إلى محرّمة ومكروهة ، فلا دلالة لها على التحريم لأنّها أعمّ ( 2 ) . وكلّ ذلك قد اندفع بما قدّمناه ، وسبق في باب الأذان ما يزيده تحقيقاً . والفرق بين الأذان الثاني وبين المكرّر الموصوف بالاستحباب يستفاد من ظواهر الأحوال وانضمام القرائن المستفادة من مواظبة العامّة عليه في ماضي الأعصر إلى اليوم حتى لو تركه تارك أنكروه عليه ، بخلاف ما يتكرّر من الأذان في غير ذلك اليوم والوقت . ولو فرض أنّ مكلَّفاً منّا أذّن ثانياً في ذلك الوقت بعد أن أذّن غيره لا بقصد التوظيف المخصوص بل الأذان المكرّر ، فالظاهر عدم تحريمه ، بل هو الأولى في وقت التقيّة ، أما تكرّره من المؤذّن الواحد فلا وجه له غير البدعة . وذهب بعض الأصحاب إلى أنّ الأذان المحرّم ما لم يكن واقعاً بين يدي الخطيب ، سواء وقع أوّلًا أم ثانياً ( 3 ) ، فإنّه ثانٍ باعتبار الإحداث لقول الباقر عليه السلام : « كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذّنون » ( 4 ) . ويضعّف بأنّ كيفيّة الأذان الواقع في عهده غير شرط في شرعيّته إذ لو وقع قبل صعود الخطيب أو خطب على الأرض ولم يصعد منبراً ، لم يخرج بذلك عن الشرعيّة ، وإنّما المحدث ما فعل ثانياً كيف كان . وقد روى محمّد بن مسلم قال : سألته عن الجمعة ، فقال : « أذان وإقامة يخرج الإمام
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج ) — صفحة 783
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٧٨٣
هامش
( 1 ) المعتبر 2 : 296 .
( 2 ) الذكرى 4 : 144 .
( 3 ) احتمله المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2 : 425 ثمّ ضعّفه .
( 4 ) التهذيب 3 : 244 - 245 / 663 .