الفقهاء حال الغيبة يباشرون ما هو أعظم من ذلك بالإذن . والتعليل الثاني : أنّ الإذن إنّما يعتبر مع إمكانه ، أمّا مع عدمه فيسقط اعتباره ، ويبقى عموم القرآن والأخبار خالياً عن المعارض . ثمّ ذكر أخباراً كثيرة مطلقة . قال : والتعليلان حسنان ، والاعتماد على الثاني ( 1 ) . وعبارة أبي الصلاح في الكافي تناسب التعليل الثاني فإنّه قال ما هذا لفظه : لا تنعقد الجمعة إلا بإمام الملَّة أو منصوب من قِبَله أو مَنْ تتكامل له صفات إمام الجماعة عند تعذّر الأمرين ( 2 ) . وهذه العبارة صريحة في سقوط اعتبار إذن الإمام أو مَنْ نصبه مع التعذّر ، كحال الغيبة ، وأنّ الفقيه ليس شرطاً فيها حينئذٍ . وفي بعض عبارات الأصحاب ما يدلّ على الأوّل ، كعبارة الشهيد في الدروس ( 3 ) ، والمصنّف في النهاية ( 4 ) ، فإنّهم عبّروا بأنّ الفقهاء يجمّعون في حال الغيبة ، ولا صراحة فيها بتحتّم ذلك ، وغايته أن يكون قولًا آخر . وقد بالغ المحقّق الشيخ عليّ رحمه اللَّه في إنكار القول الثاني من قولَي الجواز ، وزعم أنّ كلّ مَنْ قال بالجواز اشترط فيه حضور الفقيه محتجّاً عليه بدعوى جماعة من الأصحاب منهم الشهيد في الذكرى ، والمصنّف في التذكرة والنهاية ، وغيرهما الإجماعَ على اشتراط الإمام أو نائبه في شرعيّة الجمعة ( 5 ) . وفي الدعوى والسند منع ظاهر . أمّا الدعوى : فقد بيّنّا مَنْ صرّح بخلافها . وأمّا الإجماع : فإنّما نقلوه على حالة الحضور لا على الغيبة ، فإنّهم يبتدؤن بحال الحضور ، ويذكرون فيه الإجماع ، ثمّ يذكرون حال الغيبة ، ويذكرون الخلاف ، فكيف يتحقّق الإجماع في موضع النزاع ! ؟ فراجِعْ أنت كلامهم تجده كما قلناه .
روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج ) — صفحة 773
مساهمون: الشهيد الثاني
ص٧٧٣
هامش
( 1 ) الذكرى 4 : 104 - 105 .
( 2 ) الكافي في الفقه : 151 .
( 3 ) الدروس 1 : 186 .
( 4 ) نهاية الإحكام 2 : 14 .
( 5 ) جامع المقاصد 2 : 379 وانظر : الذكرى 4 : 100 وتذكرة الفقهاء 4 : 19 ، المسألة 381 .