أسفلكم أعلاكم
من كلام له لما بويع بالمدينة :
ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم صلى الله عليه
وسلم ( 1 ) . والذي بعثه بالحق لتغربلن غربلة ولتساطن سوط القدر ( 2 )
حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم ، وليسبقن سابقون كانوا
قد قصروا ، وليقطرن سباقون كانوا قد سبقوا . والله ما كتمت وشمة ( 3 )
ولا كذبت كذبة ! ألا وإن الخطايا خيل شمس ( 4 ) حمل عليها أهلها
وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار ! ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل
عليها أهلها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة . حق وباطل ، ولكل أهل !
هلك من ادعى وخاب من افترى ومن أبدى صفحته للحق هلك ( 5 )
وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره . فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات
بينكم ، والتوبة من ورائكم ولا يحمد حامد إلا ربه ، ولا يلم لائم
إلا نفسه !
هامش
1 - إن بلية العرب التي كانت محيطة بهم يوم بعث محمد هي بلية الفرقة والتباعد والعصبية
وظلم القوي للضعيف والغني للفقير . فتلك الحالة التي هي مهلكة للأمم قد صاروا
إليها بعد مقتل عثمان .
2 - لتغربلن : لتقطعن من . ساط ، من السوط ، وهو أن تجعل شيئين في القدر
وتضربهما بيدك حتى يختلطا وينقلب أعلاهما أسفلهما وأسفلهما أعلاهما .
3 - الوشمة : الكلمة .
4 - شمس ، جمع شموس ، وهو الجامح الذي يمنع ظهره أن يركب .
5 - من أبدى صفحته للحق ، أي : من كاشف الحق مخاصما له مصارحا له بالعداوة .