أما كون الإنسان حرا ، فواضح من كتاب موسى ، لأن إلهنا عندما
أعطى الشريعة على جبل سينا ، قال هكذا " ليست وصيتي في السماء لكي
تتخذ عذرا لك قائلا من يذهب ليحضر لنا وصية الله ؟ ومن يا ترى يعطينا
قوة لنحفظها ؟ ولا هي وراء البحر ، لكي نعد نفسك كما تقدم ، بل وصيتي
قريبة من قلبك ، حتى أنك تحفظها متى شئت " . . حينئذ تنهد يسوع وقال
" أيها الإخوة ! ما هذه إلا ثمار التقاليد البشرية ، لأنه بقولهما إن الله قدر فقضى
على المنبوذ بطريقة لا يمكنه معها أن يصير مختارا ، يجدفون على الله . . لأنه يأمر
الخاطئ أن لا يخطئ وإذا أخطأ أن يتوب ، على أن هذا القدر ينزع من
الخاطئ القدرة على ترك الخطيئة ، فيسلبه التوبة بالمرة ! ولكن اسمعوا ما يقول
الله على لسان يوئيل النبي " لعمري يقول إلهكم : لا أريد موت الخاطئ ، بل
أود أن يتحول إلى التوبة " ، أيقدر الله إذا ما لا يريده ؟ . . يقول الله أيضا على
لسان النبي أشعيا " دعوت فلم تصغوا إلى " وما أكثر ما دعا الله ، اسمعوا
ما يقول على لسان هذا النبي نفسه " بسطت يدي طول النهار إلى شعب
لا يصدقني بل يناقضني " ! فإذا قال الفريسيون إن المنبوذ لا يقدر أن يصير
مختارا ، فهل يقولون سوى أن الله يستهزئ بالبشر ، كما لو استهزأ بأعمى يريه
شيئا أبيض ، وكما لو استهزأ بأصم يكلم في أذنيه " أما كون المختار يمكن أن ينبذ ،
فتأملوا ما يقول إلهنا على لسان حزقيال النبي " يقول الله لعمري إذا رجع البار
عن بره وارتكب الفواحش ، فإنه يهلك ، ولا أذكر فيما بعد شيئا عن بره
فإن بره سيخذله أمامي ، فلا ينجيه وهو متكل عليه " ! أما نداء المنبوذين ،
فماذا يقول الله فيه على لسان هوشع سوى هذا " إني أدعو شعبا غير مختار ،
فأدعوهم مختارين " إن الله صادق . . . وهو الحق يقول الحق . . . ولكن
كيف يجب أن يفهم ما قال الله لموسى من أنه يرحم من يرحم ويقسي
من يقسي ؟ .
أجاب يسوع " إنما يقول الله هذا ، لكيلا يعتقد الإنسان أنه خلق
بفضيلته ، بل ليدرك أن الحياة ورحمة الله ، قد منحهما له الله من جوده ،
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 58
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٥٨