لا يقتصرون على طعام الحمية مجانين ؟ لا البتة ، بل يحزن للمرض الذي اضطر
بسببه إلى الاقتصار على طعام الحمية . إنني أقول لكم إنه لا يجب على التائب أن
يفاخر بصومه ويحتقر الذين لا يصومون ، بل يجب عليه أن يحزن للخطيئة التي
يصوم لأجلها ، ولا يجب على التائب الذي يصوم أن يتناول طعاما شهيا ، بل
يقتصر على الطعام الخشن ، أفيعطي الإنسان طعاما شهيا للكلب الذي يعض
وللفرس الذي يرفس ؟ لا ! البتة ، بل الأمر بالعكس !
" أصيخوا السمع إذا لما سأقوله لكم بشأن السهر ، إنه لما كان قسمين ، أي
نوم الجسد ونوم النفس ، وجب عليكم أن تحذروا في السهر ، كي لا تنام النفس
والجسد ساهر ، إن هذا يكون خطأ فاحشا جدا . . . فإني أقول لكم حقا إن من
يسهر بالجسد وينام بالنفس لمصاب بالجنون ، وكما أن المرض الروحي أشد
خطرا من الجسدي ، فشفاؤه أشد صعوبة ، أفيفاخر إذا تعيس كهذا بعد النوم
بالجسد الذي هو رجل الحياة ، بينما هو لا يرى شقاءه في أنه ينام بالنفس التي
هي رأس الحياة ، إن نوم النفس هو نسيان الله ودينونته الرهيبة ، فالنفس التي
تسهر إنما هي التي ترى الله في كل شئ وفي كل مكان ، وتشكر جلاله في كل شئ
وعلى كل شئ وفوق كل شئ ، عالمة أنها دائما في كل دقيقة تنال نعمة ورحمة
من الله ، فمن ثم يرن دائما في أذنها خشية من جلاله ذلك القول الملكي " تعالى
أيتها المخلوقات للدينونة ، لأن إلهك يريد أن يدينك " ، فإنها تلبث على الدام
في خدمة الله . . وصحيح كل الصحة أنه يجب تجنب الرقاد الجسدي جهد الطاقة ،
إلا أن منعه البتة محال ، لأن الحس والجسد مثقلان بالطعام ، والعقل بالمشاغل ،
لذلك يجب على من يريد أن يرقد قليلا ، أن يتجنب فرط المشاغل وكثرة الطعام ،
لعمر الله الذي في حضرته تقف نفسي ، إنه يجوز الرقاد قليلا كل ليلة ،
إلا أنه لا يجوز أبدا الغفلة عن الله ودينونة الرهبية ، وما رقاد النفس ، إلا هذه
الغفلة " !
حينئذ أجاب من يكتب " يا معلم كيف يمكن لنا أن نتذكر الله على الدوام ؟
إنه ليلوح لنا أن هذا محال " ، فقال يسوع متنهدا " إن هذا لأعظم شقاء يكابده
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 47
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٧