يلم به لحرمانه من لذة الجنة بسبب الخطيئة ، لذلك وجب أشد الوجوب وآكده
على من لا يريد تغذيته باللذة الجسدية ، أن يغذيه باللذة الروحية ! أتفهمون ؟ . . .
والآن قولوا لي كيف يعمل الحس في الفجار ؟ : لأنهم يتبعون الحس ، معرضين
عن العقل وعن شريعة الله ، فيصيرون مكروهين لا يعملون صالحا ، وهكذا فإن
أول شئ يتبع الحزن على الخطيئة ، الصوم ، لأن من يرى أن نوعا من الطعام
أمرضه ، حتى خشي الموت ، فإنه بعد أن يحزن على أكله ، يعرض عنه حتى
لا يمرض ، فهكذا يجب على الخاطئ أن يفعل ، فمتى رأى أن اللذة جعلته يخطئ
إلى الله خالقه باتباعه الحس في طيبات العالم هذه ، فليحزن لأنه فعل هكذا ،
لأن هذا يحرمه من الله حياته ، ويعطيه موت الجحيم الأبدي ، ولكن لما كان
الإنسان محتاجا وهو عائش إلى مناولة طيبات العالم هذه ، وجب عليه هنا
الصوم ، فليأخذ إذا في إعانة الحس ، وأن يعرف الله سيدا له ، ومتى رأى أن
الحس يمقت الصوم ، فليضع قبالته حال الجحيم ، حيث لا لذة على الإطلاق ،
بل الوقوع في حزن غير متناه ، ليضع قبالته مسرات الجنة التي هي عظيمة ،
بحيث أن حبة من ملاذ الجنة لأعظم من ملاذ العالم بأسرها ، فبهذا يسهل
تسكينه ، لأن القناعة بالقليل لنيل الكثير ، لخير من إطلاق العنان في القليل
مع الحرمان من كل شئ والمقام في العذاب . . . " .
" ولكن ليكن التائب متيقظا ، لأن الشيطان يحاول أن يبطل كل عمل صالح ،
ويخص عمل التائب أكثر مما سواه ، لأن التائب قد عصاه وانقلب عليه عدوا
عنيدا ، بعد أن كان عبدا أمينا ، فلذلك يحاول الشيطان أن يحمله على عدم الصوم
في حال من الأحوال ، بشبهة المرض ، فإذا لم يغن هذا أغراه بالغلو في الصوم
حتى ينتابه مرض فيعيش بعد ذلك متنعما ، فإذا لم يفلح في هذا حاول أن يجعله
يقصر صومه على ترك الطعام الجسدي ، حتى يكون مثله لا يأكل شيئا ولكنه
يرتكب الخطيئة على الدوام ! لعمر الله إنه لممقوت أن يحرم المرء الجسد من
الطعام ويملأ النفس كبرياء ، محتقرا الذين لا يصومون وحاسبا نفسه أفضل منهم ،
قولوا لي أيفاخر المريض بطعام الحمية الذي فرضه عليه الطبيب ، ويدعو الذين
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 46
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٤٦