ولرجال فارس الحظوة عند خلفاء بني العباس كالبرامكة وأشياعهم ، فعضدتهم
الدولة العباسية ، فصار رأيهم ظاهرا غالبا ، وألفوا الكتب الكثيرة ، وفيها ما فيها !
فانساق المتمسكون بطريقة السلف إلى الرد عليهم بقوة الدين ، لا قوة الخلفاء !
ثم عظمت فتنة القول بخلق القرآن ، فقال بذلك جماعة من الخلفاء ، وتمسك
جماعة بظاهر الكتاب وقالوا إنه قديم ، وأمسك جماعة عن الخوض في هذا
الكلام ، يرون أن ذلك من مجاراة البدعة ، وكانت هذه الفتنة سببا في إهانة
أئمة الدين وكثير من رجال العلم !
وكان في تلك الأزمنة طائفة الدهريين وأهل الحلول ويسمون بالباطنية
والإسماعيلية ، أولوا في القرآن تأويلا ، لم يأذن به الله حتى ضلوا وأضلوا ،
ثم جاء أبو الحسن الأشعري المتوفى سنة 330 أو ونيف ، فكتب في علم
التوحيد وتوسط بين السلف ومخالفيهم ، وأثبت العقائد على قواعد النظر ،
فارتاب فريق في أمر الرجل وقال بكفره جماعة ، ونصرته طائفة وسموا رأيه
بمذهب أهل السنة والجماعة ، فضعفت الطائفة المتمسكة بالظاهر والطائفة المبالغة ،
حتى لم يبق منهم بعد نحو قرنين إلا قليل يسكنون أطراف البلاد الإسلامية .
إن الذين نصروا مذهب الأشعري ، أوجبوا الإيمان بما قاله من المقدمات
والنتائج ، ومنعوا الناس من الاستدلال بغير ما قال ، وقالوا عدم الدليل
يؤدي إلى عدم المدلول ، ولم يتفكروا فيما وراء ذلك .
فلما جاء الغزالي والرازي وأتباعهما ، قالوا ما معنى هذا الحجر وما سببه ،
إن الدليل الذي دون قد يكون ضعيفا عند جمهور العقلاء ، وقد يكون
باطلا ، وليس هذا كلاما سماويا ، فلا بد من الاستدلال بغيره كما أمر الله
والعقل الصحيح ، فهم في هذا كله يوفقون بين الدين والعقل ( 1 ) !
( 12 ) " فاعلم أنه لو كان لربك شريك ، لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه
وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه ،
لا يضاده في ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ولم يزل ، أول قبل الأشياء بلا أولية ،
هامش
( 1 ) راجع ص 7 - 12 من كلمة التوحيد للمرحوم الشيخ حسين والي .