من هنا اتفق العقل والدين كما أمر الله في كتابه ، ومن ذلك عرف المسلمون
أن من الدين ما لا يفهم إلا بواسطة العقل ، كالعلم بوجود الله وقدرته على
إرسال الرسل ، وغير ذلك .
وصف الله نفسه في القرآن بأوصاف كالقدرة والإرادة والسمع والبصر
والكلام والاستواء على العرش ، وأثبت أن له وجها ويدا ، وأعطى الإنسان
شيئا من نحو هذا الجنس ، ولله المثل الأعلى ، فكان ذلك سببا في بحث العقل ،
فأخذ الناس يفهمون ويتفكرون ، وكانوا يرجعون في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم إليه ، ثم رجعوا من بعده إلى أبي بكر وعمر ، وكانوا ينزهون الله كما
يفهمون من الكتاب ، ويفوضون العلم إليه فيما يوهم التشبيه .
ثم حدثت الفتنة التي فيها قتل عثمان ، وكان من أهل الفتنة رجل يهودي
يقال له عبد الله بن سبأ ، أسلم وتشيع لعلي حتى زعم أن الله حل فيه ، وطعن
على عثمان ، ودعا الناس إلى مبايعة علي ، وقال إنه أحق بالخلافة ، وأظهر الرفض
عند حكم الحكمين في صفين ، فكان ذلك منشأ لعقائد السوء في زمنه
وبعد زمنه ( 1 ) .
حتى قال علي " يهلك في رجلان : محب مفرط ، وباهت مفتر " وقال
" سيهلك في صنفان : محب مفرط ، يذهب به الحب إلى غير الحق ، ومبغض
مفرط ، يذهب به البغض إلى غير الحق ، وخير الناس في حالا النمط الأوسط ،
فالزموه ، والزموا السواد الأعظم ، فإن يد الله مع الجماعة ، وإياكم والفرقة ،
فإن الشاذ من الناس للشيطان ، كما أن الشاذ من الغنم للذئب ، ألا من دعا إلى
هذا الشعار فاقتلوه ، ولو كان تحت عمامتي هذه ( 2 ) " !
والغريب أن هذا الحب الفاجر ، كان لرجل قانت شديد الخشية لله
والتواضع لعبيده ! انظر ماذا قال علي لرجل من أصحابه أكثر الثناء عليه وذكر
هامش
( 1 ) راجع ص 5 - 7 من كلمة التوحيد للمرحوم الشيخ حسين والي .
( 2 ) راجع ص 261 من نهج البلاغة ج 1 . وقال في ص 252 ج 2 " هلك في رجلان :
محب غال ، ومبغض قال " ! .