والغريب في هذا العهد أن القسس والرهبان ، قد ضيقوا على المدارك
والأفهام بمنتهى الشدة ، فكانت النصرانية في هذه الفترة التي هي بين حرية
النصرانية وظهور الإسلام ، واقعة تحت سيطرة رجال الدين ، يصادرونها في
عقول رجالها ويسيطرون على كل شئ لهم حتى على قلوبهم ، وزادت الخصومات
بينهم بالاجتماعات الدينية ضد فلان وفلان من القسس والتحزب والأحقاد ،
فأدى هذا الحجر إلى إجماع النصارى على جعل عيسى إلها ، وقاموا على شيعة
آريوس الذي قال إن عيسى عليه السلام روح الله وليس بإله ، فشتتوهم
وقتلوا الكثير منهم ، وأضاعوا مؤلفات جهابذتهم !
في هذا الوقت الحرج الذي كادت تتلاشى فيه آثار المدنية وتمحى العدالة
من الوجود ، بل في الوقت الذي كان فيه الخراب يهدد العالم بأجمعه على أثر
استبداد أولئك المستبدين بعد اتفاقهم مع خونة الكهنة والقسيسين ، ظهر نبينا
العربي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم ، معلنا التوحيد ، عاملا على استئصال
شأفة الاشراك ، هاديا الناس إلى الصراط السوي ( 1 ) !
( 10 ) والتوحيد في الأصل قبل الاصطلاح هو اعتقاد وحدانية الله
بلا شريك ، وقد طالب الله الخلائق بتوحيده على لسان رسله من لدن آدم ،
كما في القرآن والكتب السماوية الأخرى ، قال تعالى " وما خلقت الجن والإنس
إلا ليعبدون " ، ولكن كثيرا من تلك الأمم كان يبتعد من برهان العقل
ويقف في الغالب عند ظاهر الكتب السماوية ، ويزعم أن بين الدين والعقل
تنافرا ، وفي زمن الفترة وصل قوم إلى توحيد الله بالعقل واستدلوا بما عن لهم
من صنع الله ، كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو وغيرهما .
ثم ظهر الإسلام وأنزل الله القرآن ، فبين حقوق الله وصفاته وأدحض
بالبراهين حجج المبطلين وأيد محمدا صلى الله عليه وسلم ، وطالب بالتدبر والتفكر
في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ، وغير ذلك .
هامش
( 1 ) راجع ص 56 - 58 و 68 - 71 من خواطر في الإسلام ج 1 للمرحوم
عطا حسني بك .