( ي ) مراقبة الله في الرجاء والخوف :
يقول الغزالي : إن الرجاء هو ارتياح القلب ( ولذته ) لانتظار محبوب
( متردد فيه غير مقطوع به ) ، تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ،
ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف المفسدات !
والرجاء باعث بطريق الرغبة يضاده اليأس ( الذي يمنع من التعهد ويصرف
عن العمل ) ، فإذا حال الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال ، والمواظبة على
الطاعات ، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى والتنعم بمناجاته ، فإن
كان لا يظهر ، فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء ، والنزول في حضيض
الغرور - إن كان انتظارا مع انخرام أسبابه - والتمني - إن كان انتظارا من
غير سبب ) .
والخوف هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال ،
والمحمود منه هو الاعتدال ، فأما القاصر منه ، فهو الذي يجري مجرى رقة
النساء وهو يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن ، فيورث البكاء وتفيض
الدموع ، وكذلك عند مشاهدة سبب هائل ، فإذا غاب ذلك السبب عن الحس
رجع القلب إلى الغفلة ، فهذا خوف قليل النفع !
وأما المفرط ، فإنه الذي يجاوز حد الاعتدال ، حتى يخرج إلى اليأس ،
وهو مذموم أيضا لأنه يمنع من العمل ، وقد يخرج الخوف أيضا إلى المرض
والضعف وإلى زوال العقل والموت ، فالمراد من الخوف هو الحمل على العمل ،
ولولاه لما كان الخوف كمالا ، وفائدة الخوف الحذر ، والورع ، والتقوى ،
والمجاهدة والعبادة والفكر والذكر ، وسائر الأسباب الموصلة إلى الله تعالى ،
وكل ذلك يستدعي الحياة مع صحة البدن وسلامة العقل ، فكل ما يقدح في هذه
الأسباب فهو مذموم ، وأفضل السعادات طول العمر في طاعة الله تعالى !
ويقول الغزالي إن الخوف لا يتصور أن ينفك مؤمن عنه ، وإن ضعف
ويكون ضعف خوفه بسبب معرفته وإيمانه ، والرجاء والخوف مثلا زمان
لأن كل من رجا محبوبا ، فلا بد وأن يخاف فوته ، ويجوز أن يغلب أحدهما
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 385
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٨٥