على الآخر وهما مجتمعان ، ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى
الآخر في الحال لغفلته عنه ، وهذا لأن من شروط الرجاء والخوف تعلقهما
بما هو مشكوك فيه ، إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف ، فإذا المحبوب الذي يجوز
وجوده ، يجوز عدمه لا محالة ، فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء ،
وتقدير عدمه يوجع القلب وهو الخوف ، والتقديران يتقابلان لا محالة إذا
كان الأمر المنتظر مشكوكا فيه ، وأحد طرفي الشكوك قد يترجح على الآخر
بحضور بعض الأسباب ويسمى ذلك ظنا ، فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على
الآخر ، فإذا غلب على الظن وجود المحبوب ، قوي الرجاء وخفي الخوف
بالإضافة إليه ، وكذا بالعكس ، وعلى كل حال فهما متلازمان ، ولذلك قال تعالى
" ويدعوننا رغبا ورهبا " ! والخوف من الله تعالى على مقامين :
( 1 ) الخوف من عذابه : وهو خوف عموم الخلق ، وهو حاصل بأصل
الإيمان بالجنة والنار ، وكونهما جزاءين على الطاعة والمعصية ، وضعفه بسبب
الغفلة وسبب ضعف الإيمان !
( 2 ) الخوف من الله : وهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين من
صفاته ما يقتضي الخوف ، المطلعين على سر قوله " ويحذركم الله نفسه " وقوله
" اتقوا الله حق تقاته " ، ومن عرف الله تعالى خافه بالضرورة ، لأن الله تعالى
خلق الجنة وخلق لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا ، وخلق النار وخلق
لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا !
ولذا يرى الغزالي أن من يسرت له أسباب الشر ، وحيل بينه وبين أسباب
الخير ، وأحكمت علاقته من الدنيا ، فكأنه كشف له على التحقيق سر السابقة
التي سبقت له بالشقاوة ، إذ كل ميسر لما خلق له ، وإن كانت الخيرات كلها
ميسرة ، والقلب بالكلية عن الدنيا منقطعا ، وبظاهره وباطنه على الله مقبلا ،
كان هذا يقتضي تخفيف الخوف ، لو كان الدوام على ذلك موثوقا به ، ولكن
خطر الخاتمة وعسر الثبات ، يزيدان نيران الخوف إشعالا !
وسوء الخاتمة على رتبتين ( إحداهما ) أعظم من الأخرى ، فأما الرتبة
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 386
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٨٦