" من له قدرة على مساعدة فقير ، ثم لم يساعده ، حتى مات الفقير جوعا ،
فهو قاتل ، ولكن القاتل الأكبر ، هو من يقدر بكلمة الله على تحويل الخاطئ
للتوبة ولم يحوله ، بل يقف كما يقول الله " ككلب أبكم " ، ففي مثل هؤلاء
يقول الله " أيها العبد الخائن ! منك أطلب نفس الخاطئ الذي يهلك ، لأنك
كتمت كلمتي عنه ( 1 ) " !
" إن من يشهد بالله بإخلاص قلب ، أن الله منشئ كل صلاح ، وأنه هو
نفسه منشئ الخطيئة ، يكون متضعا " ، " الإتضاع الحقيقي ، هو مسكنة النفس
التي يعرف بها الإنسان نفسه بالحقيقة ، ولكن الضعة الكاذبة إنما هي ضبابة
من الجحيم تجعل بصيرة النفس مظلمة ، بحيث ينسب الإنسان إلى الله ، ما يجب
عليه أن ينسبه إلى نفسه ، وعليه فإن الرجل ذا الإتضاع الكاذب يقول إنه
متوغل في الخطيئة ، ولكن إذا قال له أحد إنه خاطئ ، ثار حنقه عليه
واضطهده ( 2 ) " !
( د ) مراقبة الله في الأكل والشرب :
يقول الغزالي : إنه يجب أن لا يأكل إلا حلالا في نفسه ، طيبا في جهة
مكسبه " كلوا من الطيبات " ، موافقا للسنة والورع ، لم يكتسب بسبب مكروه
في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين ، أو ينوي بأكله أن يتقوى على
طاعة الله تعالى ، ليكون مطيعا بالأكل ( ولا يقصد التلذذ والتنعم بالأكل ) ،
وأن يرضى بالحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم وطلب الزيادة وانتظار الأدم
وفي هذا وفضيلة الأكل للعيش ، أو كما يسميها الغزالي فضيلة الجوع ، فهم لمعنى
الحياة الإنسانية الحق وتجريد لها من خسة شهوة البطن المادية المشاركة لها البهائم
فيها ، إذ يرى أن في مجاهدة الجوع والعطش صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ
البصيرة ( لأن الشبع يورث البلاد ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ ،
هامش
( 1 ) راجع ص 291 من إنجيل برنابا .
( 2 ) راجع ص 275 و 276 من إنجيل برنابا .