أما الغفلة عن النعم فلها أسباب ، وأحد أسبابها أن الناس بجهلهم ، لا يعدون
ما يعم الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة ، فلا تراهم يشكرون الله على
روح الهواء ، ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ، فإن ابتلي
واحد منهم ثم نجا ، ربما قدر ذلك نعمة وشكر الله عليها ، وهذا غاية الجهل
إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد عليهم في بعض
الأحوال ، والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها ، فصار الناس
لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة ،
وينسون جميع نعم الله تعالى ، والعلاج أن ينظر الإنسان إلى من دونه ، وأن
يعرف أن النعمة ( ظاهرة أو باطنة ) ، إذا لم تشكر زالت .
ويرجع الصبر في الدنيا ، إلى ما ليس ببلاء مطلقا ، بل يجوز أن يكون نعمة
من وجه ، فلذلك يتصور أن يجتمع عليه وظيفة الصبر والشكر ، والشئ الواحد
قد يغتم به من وجه ( فيصبر عليه ) ، ويفرح به من وجه آخر ( فيشكر عليه ) ،
وفي كل فقر ومرض وخوف وبلاء في الدنيا خمسة أمور ، ينبغي أن يفرح
العاقل بها ويشكر عليها ، وهي : أن مصيبته يتصور أن يكون أكبر منها ، وأنه
كان يمكن أن تكون مصيبة في دينه ( بكفر أو معصية أشد أو خاطر سوء ) ،
وأنه ربما عجلت عقوبته في الدنيا ( ومن عجلت عقوبته ، فلا يعاقب ثانيا ،
ومصائب الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخرى تهون المصيبة ، فيخف وقعها )
وأنها كانت مكتوبة عليه ( وقد وصلت واستراح من بعضها أو من جميعها ،
فهذه نعمة ) ، وأن ثوابها أكثر ، فعليه أن يحسن الظن بالله تعالى ويقدر فيه
الخيرة الدينية ويشكره عليه ، على أن مواتاة النعم وفق المراد من غير امتزاج
ببلاء ، تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأسبابها وأنسه بها ، وأما التألم فضروري
( والدواء النافع مؤلم ( 1 ) ) !
* * *
هامش
( 1 ) راجع ص 83 - 90 من الثقافة الروحية في كتاب إحياء علوم الدين
للغزالي لمحمود علي قراعة .