وما لا يرتبط باختياره كالمصائب ، أو لا يرتبط باختياره ، ولكن له اختيار
في إزالته كالتشفي من المؤذي بانتقام !
وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما ، ومعنى الصبر على العافية ، أن
لا يركن إليها ، ويعلم أن كل ذلك عسى أيسترجع على القرب ، وأن لا يرسل
نفسه في الفرح بها ، ولا ينهمك في التنعم واللذة واللهو واللعب ، وأن يرعى
حقوق الله في ماله بالإنفاق ، وفي بدنه ببذل المعونة للخلق ، وفي لسانه ببذل
الصدق ، وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه ، وهذا الصبر متصل بالشكر .
والشكر نصف الإيمان ، ويقول الغزالي إن الشكر لله لا يتم إلا بأن يعرف
أن النعم كلها من الله ، وهو المنعم ، والوسائط مسخرون من جهته ، ثم إن الحال
المستمدة من أصل المعرفة ، وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضع
هو أيضا في نفسه شكر على تجرده ، كما أن المعرفة شكر ، ولكن إنما يكون
شكرا إذا كان حاويا شرطه ، وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة
ولا بالإنعام ( فيبعد عن معنى الشكر ، إذا كان النظر مقصورا على الفرح بالنعمة
من حيث أنها لذيذة وموافقة لغرضه ، ويدخل في معنى الشكر ، الفرح بالمنعم
لا من حيث ذاته ، بل من حيث معرفة عنايته ) !
ويقول الغزالي إن العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم ، يتعلق
بالقلب ( بقصد الخير وإضماره لكافة الخلق ) ، وباللسان ( بإظهار الشكر لله
تعالى بالتحميدات الدالة عليه ) ، وبالجوارح ( باستعمال نعم الله تعالى في طاعته ) !
ويقول الله تعالى " لئن شكرتم لأزيدنكم " ، ومعنى الشكر استعمال نعمه
تعالى في محابه ، ومعنى الكفر نقيض ذلك ، إما بترك الاستعمال أو باستعمالها
في مكارهه !
ويقول الغزالي إنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الغفلة عن معرفة
المنعم ، ثم إنهم إن عرفوا نعمة ، ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه الحمد لله ،
ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في طاعة الله عز وجل ، فلا يمنع
من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين ، إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان ،
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 357
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٥٧