( 4 ) أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ، وهي مشاهدة الصديقين ، وتسميه
الصوفية الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا ، فلا يرى نفسه .
ويوضح الغزالي المرتبة الثالثة ، بأن ينكشف لك ألا فاعل إلا الله تعالى ،
وأن كل موجود من خلق ورزق ، وعطاء ومنع ، وحياة وموت ، وغنى وفقر ،
إلى غير ذلك مما ينطق عليه اسم ، فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الهل عز وجل ،
لا شريك له فيه ، وإذا انكشف لك هذا ، لم تنظر إلى غيره ، بل كان منه
خوفك ، وإليه رجاؤك ، وبه ثقتك ، وعليه اتكالك ، فإنه الفاعل على الانفراد
دون غيره ، وما سواه مسخرون ، لا استقلال لهم بتحريك ذرة من ملكوت
السماوات والأرض .
فالله هو الأول ، بالإضافة إلى الموجودات ، إذ صدر منه الكل على ترتيبه
واحدا بعد واحد ، وهو الآخر بالإضافة إلى سير السائرين إليه فإنهم لا يزالون
مترقين من منزل إلى منزل ، إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك الحضرة ، فيكون ذلك
آخر السفر ، فهو آخر في المشاهدة أول في الوجود ، وهو الباطل بالإضافة إلى
العاكفين في عالم الشهادة ، الطالبين لإدراكه بالحواس الخمس ، وهو الظاهر
بالإضافة إلى ما بطلبه في السراج الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة ، الباطنة النافذة
في عالم الملكوت .
ولكن كيف الجمع بين التوحيد والشرع ؟ ومعنى التوحيد " أن لا فاعل إلا
الله تعالى " ، ومعنى الشرع " إثبات الأفعال للعباد " ؟
يقول الغزال إن الله فاعل ، بمعنى أنه المخترع الموجد ، ومعنى كون العبد
فاعلا ، أنه العمل الذي خلق فيه الإرادة ، بعد أن خلق فيه العلم ، فارتبطت
القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط ، وارتبط بقدرة الله
ارتباط المعلول بالعلة ، وارتباط المخترع بالمخترع " وما رميت إذ رميت ، ولكن
الله رمى " ، فاسم الفاعل في الحقيقة لله ، ولغيره بالمجاز .
ويقول إن لمقام التوكل على الله اعتقادا قاطعا ، لا يستريب فيه ، وهو أن
يصدق تصديقا يقينا لا ضعف فيه ولا ريب ، أن كل ما قسم الله تعالى بين عباده
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 325
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٢٥