من رزق وأجل ، وسرور وحزن ، وعجز وقدرة ، وإيمان وكفر ، وطاعة ومعصية
فكله عدل محض لا جور فيه ، وحق صرف لا ظلم فيه ، بل هو على التريب
الواجب الحق على ما ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي ، وليس في الإمكان أصلا
أحسن منه ولا أتم ولا أكمل ، بل كل فقر وضر في الدنيا ، فهو نقصان من
الدنيا وزيادة في الآخرة ، وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص ، فهو
نعيم بالإضافة إلى غيره ، إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار !
فالغزال يقول إن الخير والشر مقضي به ، وقد كان ما قضى به واجب
الحصول بعد سبق المشيئة ، فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره ، بل كل
صغير وكبير مستطر ، وحصوله بقدر معلوم منتظر ، وما أصابك لم يكن
ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك !
ويقول " إن التوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ، فإن ثبت
في نفسك بكشف أو باعتقاد جازم ، أن لا فاعل إلا الله ، واعتقدت مع ذلك
تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ، ثم تمام العطف والعناية والحرمة بحمله العباد
والآحاد ، وأن ليس وراء منتهى قدرته قدرة ، ولا وراء منتهى علمه ، علم ولا وراء
منتهى عنايته بك ورحمته لك ، عناية ورحمة ، اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ،
ولم يلتفت إلى غيره بوجه ، ولا إلى نفسه وحوله وقوته ، فإنه لا حول ( أي
حركة ) ولا قوة ( أي قدرة ة إلا بالله " ! ويقول إن كنت لا تجد هذه الحالة
من نفسك ، فهذا إما لضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة ، وإما ضعف
القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه ، فإذا
لا يتم التوكل إلا بقوة القلب وقوة اليقين جميعا ، إذ بهما يحصل سكون القلب
وطمأنينته !
وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب ،
والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة ، وهذا ظن الجهال ، فالمقطوع به
( وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ارتباطا
مطردا لا يختلف ) ، أن لا شبع ، بلا أكل ، والمقطوع به أن الثمر لا يأتي من غير
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 326
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٢٦