فانطلقنا : فأتينا على روضة معتمة ( 1 ) ، فيها من كل نور ( 2 ) الربيع ، وإذا بين ظهري
تلك الروضة ، رجل طويل ، لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء ، وإذا حوله
من أكثر ولدان رأيتهم ، قلت : ما هؤلاء ؟ قالا : انطلق ! . . . انطلق ! . . .
فانطلقنا . . فأتينا على دوحة ( 3 ) عظيمة ، لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن ،
فقالا : إرق فيها ! فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب وفضة ، فأتينا باب
المدينة فاستفتحنا ، ففتح لنا ، فدخلنا ، فتلقانا رجال ، شطر من خلفهم
كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء ، فقالا لهم : اذهبوا فقعوا
في ذلك النهر ، وإذا نهر معترض ، كأن ماءه المحض ( 4 ) في البياض ، فذهبوا
فوقعوا فيه ، ثم رجعوا وقد ذهب أسوء عنهم ، فصاروا في أحسن صورة ،
فقالا : هذه جنة عدن وهذاك منزلك ، فسمى بصرى صعدا ، فإذا قصر مثل
الربابة ( 5 ) البيضاء ، فقلت : فذراني فأدخله ! قالا : أما الآن فلا ! وأنت داخله !
فقلت : فإني رأيت منذ الليلة عجبا ! فما هذا الذي رأيت ؟ ! قالا : إنا سنخبرك !
أما الرجل الأول الذي رأيته يثلغ رأسه بالحجر ، فإنه الرجل يأخذ القرآن
فيرفضه ، وينام عن الصلاة المكتوبة ! وأما الرجل الذي يشرشر شدقه إلى قفاه ،
ومنخره إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يبدو من بيته ، فيكذب الكذب
تبلغ الآفاق ! وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور ، فإنهم
الزناة والزواني ! وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها ويسعى
حولها ، فإنه مالك خازن النار ! وأما الرجل الطويل الذي في الروضة ، فإنه
إبراهيم عليه الصلاة والسلام ! وأما الولدان الذين حوله ، فكل مولود مات
على الفطرة ! - فقال رجل : يا رسول الله ! وأولاد المشركين ؟ قال صلى الله
عليه وسلم : وأولاد المشركين ! - وأما القوم الذين كانوا ، شطر منهم حسن
وشطر منهم قبيح ، فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ! تجاوز الله عنهم ( 6 ) "
ولقد حدثنا الإمام علي بن أبي طالب عن معجزة ، رآها للنبي ، فقال " . . لقد
هامش
( 1 ) طويلة النبات .
( 2 ) بفتح ، النور : الزهر .
( 3 ) شجرة .
( 4 ) المحض من كل شئ : الخالص منه ، والمراد به هنا : اللبن الخالص .
( 5 ) الشجرة .
( 6 ) راجع ص 196 - 198 من تيسير الوصول ج 1 للشيباني .