من خير أو يقضى عليه به من شر ، لأنه مسافر يكفيه منها زاد الراكب من
الكفاف ، وأن الورع لا يعدل بشئ ، وأن حقيقته في ترك ما لا بأس به ،
حذرا مما به بأس ، وأن من الإيمان التواضع في اللباس ، وترك التبجح به ! !
وقد كان فقر النبي الكريم ، من إيثاره على نفسه بأمواله ، إذ كان يفرقها
على المستحقين من أصحابه والمساكين ، وفي النوائب التي تنوب المسلمين ، ولا يرد
سائلا إذا وجد مالا كثيرا ، ولا يضع درهما فوق درهم ، فكان سيد الأغنياء
الشاكرين ، وكان سيد الفقراء الصابرين .
ونخرج من هذا ، إلى أن النبي الكريم كان فقيرا ، ولم يعبه هذا الفقر ، لأنه
لم يعبأ بالدنيا وزينتها ، وكان همه الروح والسمو بها ، والنفس وتزكيتها ، ولما آناه
الله المال ، كان ينفقه في سبيل الله ويتصدق به ، إلى حد أن كان يتصدق بالمال
وينام طاويا ، وما ذاك إلا رغبة فيما عند الله وتقديم القرض الحسن لله الذي
وعد في القرآن الكريم بأن يضاعفه ، هذا على زهد في هذا الدنيا الفانية
وانصراف عن زخرفها ، خشية أن يشغله المال وجمعه وكنزه عن الذكر الحق
لربه والدعوة إليه والجهاد في سبيله !
" وقد كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ، كاف لك في الأسود ،
ودليل ذلك على ذم الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه
أطرافها ، ووطئت لغيره أكنافها ، وفطم عن رضاعها ، وزوى عن زخارفها ،
وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وسلم ، إذ يقول " رب إني
لما أنزلت إلي من خير فقير " ، والله ما سأله إلا خبزا يأكله ، لأنه كان يأكل
بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله
وتشذب لحمه ، وإن شئت ثلثت بداود صلى الله عليه وسلم ، صاحب المزامير
وقارئ أهل الجنة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه
أيكم يكفيني بيعها ، ويأكل قرص الشعير من ثمنها ، وإن شئت قلت في عيسى
ابن مريم عليه السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ، وكان إدامه
الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 253
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٢٥٣