قال : فأخذني فغطني ( 1 ) حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : إقرأ ! فقلت
لست بقارئ ، فغطني الثانية ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال اقرأ !
فقلت : ما أنا بقارئ ! فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ! ثم أرسلني
فقال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك
الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم " فرجع بها رسول الله صلى
الله عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة : فقال زملوني زملوني ، فزملوه
حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر ، وقال لقد خشيت على
نفسي ، قالت له خديجة كلا : أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ، إنك تصل الرحم
وتصدق الحديث وتحمل الكل ( 2 ) وتكسب المعدوم ( 3 ) وتقري الضيف ،
ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب
العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا
قد عمي ، فقالت خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ما يقول ! قال يا ابن
أخي ماذا ترى ؟ فأخبره صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة
هذا الناموس ( 4 ) الذي أنزل على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ( 5 ) ليتني أكون حيا
إذ يخرجك قومك ، فقال صلى الله عليه وسلم ، أو مخرجي هم ؟ ! قال : نعم !
لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك ، أنصرك
نصرا مؤزرا ( 6 ) ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ( 7 ) " .
هامش
( 1 ) غطه إذا حطه بشدة .
( 2 ) الكل العيال والحوائج المهمة .
( 3 ) أي تنال كل معدوم أو وتوصله إلى كل ما هو معدوم عنده .
( 4 ) الناموس : صاحب سر الملك ، الذي لا يحضر إلا بخير ، وهو جبرئيل الموكل
بالوحي والغيب .
( 5 ) جذعا : كناية عن الشباب ، يتمنى أن لو كان شابا ، عند ظهوره ، ليعينه وينصره .
( 6 ) مؤكدا .
( 7 ) راجع ص 322 من تيسير الوصول ج 3 للشيباني .