وفاكهته وريحانه ، ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد
يحزنه ولا مال يتلفته ولا طمع يذله ، دابته رجلاه وخادمه يداه ، فتأس بنبيك
الأطهر صلى الله عليه وآله ، فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى ، وأحب
العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتض لأثره ، قضم الدنيا قضما ولم يعرها طرفا ،
أهضم أهل الدنيا كشحا وأخمصهم من الدنيا بطنا ، عرضت عليه الدنيا ، فأبى
أن يقبلها علم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره وصغر
شيئا فصغره ، ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله ، وتعظيمنا ما صغر
الله ورسوله ، لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله ، ولقد كان صلى الله عليه
وآله يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ويرقع بيده
ثوبه ، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه ، ويكون الستر على باب بيته فتكون
فيه التصاوير فيقول يا فلانة لإحدى أزواجه غيبيه عني ، فإني إذا نظرت إليه
ذكرت الدنيا وزخارفها ، فأعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها عن نفسه
وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتخذ منها رياشا ولا يعتقدها قرارا
ولا يرجوا فيها مقاما ، فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيبها عن
البصر ، وكذا من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده ، ولقد كان
في رسول الله صلى الله عليه وآله ، ما يدلك على مساوي الدنيا وعيوبها إذ جاع
فيها مع خاصته وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته فلينظر ناظر بعقله ، أكرم
الله محمدا بذلك أم أهانه ، فإن قال أهابه فقد كذب وأتى بالإفك العظيم ، وإن
قال أكرمه ، فليعلم أن الله أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب
الناس منه ، فتأس متأس بنبيه ، واقتص أثره وولج مولجه ، وإلا فلا يأمن
الهلكة ، فإن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم علما للساعة ومبشرا بالجنة
ومنذرا بالعقوبة ، وخرج من الدنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع
حجرا على حجر ، حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربه ، فما أعظم منة الله
عندنا ، حين أنعم علينا به سلفا نتبعه ، وقائدا نطأ عقبه ( 1 ) "
هامش
( 1 ) راجع ص 310 - 315 من نهج البلاغة ج 1 .