وقفت من حديثنا على قطر من بحر ، من فيض الأخلاق المحمدية والسيرة
الكريمة الراضية المرضية ، فإذا سألت عن الاقتصاد في الأعمال وجدت
الرسول الكريم على رأس المقتصدين ، مع أنه على رأس المتقين ، على أنه كثير
الإعتكاف ، وكان أبر الناس بأهله وولده والمسلمين ، شديد الورع ، يأمر في الغزو
بتقوى الله ، ويأمر بحسن معاملة الخدم وإحسان معاملتهم ، وكان شديد الرفق
بالحيوان ، شديدا في تحري ما يأكله هو أو يأكله أهله ، يحب الاجتماع
في السفر وإعانة الرفيق فيه ، وكان ينهى عن طرق النساء ليلا بعده ، وكان شديد
الحث على الصدقة وشديد القيام بها ، وكان أشد الناس بغضا للمدح ، وتواضعا لله ،
ويكره أن يجابه أحدا ، ويكره الخبث حتى لفظه !
هذه أمثلة من سيرة محمد ونفحة من فيض كريم خلقه ، سيرة هي النبراس
والمثل الأعلى لمن عاش للحق ومات في سبيل الحق ، سيرة تدر على المسلمين
التعاليم الإسلامية الكريمة التي يؤمنون بها فتسموا بأراوحهم وتسمو بنفوسهم
وتقويهم ! سيرة نبيلة جعلت محمدا ملء العيون والقلوب ، وجعلته من عظيم خلقه
أحب إلى المسلمين من أموالهم وأولادهم ونفوسهم ! هذه سيرة محمد باذل روحه
ونفسه لإسعاد البشر ، " قل ما أسألكم عليه من أجر ، إلا من شاء أن يتخذ
إلى ربه سبيلا ( 1 ) " !
بدء الوحي :
عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : أول ما بدئ به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم
، من الوحي ، الرؤيا الصالحة في النوم ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت
مثل فلق الصبح ، وحبب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه
وهو التعبد الليالي ذوات العدد ، قبل أن ينزل إلى أهله ، يتزود لذلك ، حتى جاءه
الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ! فقال ما أنا بقارئ !
هامش
( 1 ) راجع ص 35 - 65 و 127 - 142 و 151 - 173 و 493 - 528
من وحي الأحاديث المحمدية ج 1 لمحمود علي قراعة .