بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة ، كأنه ولي حميم " وقوله
" والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " ، وقوله
" اجتنبوا كثيرا من الظن ، إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب
بعضكم بعضا " .
ويقول الغزالي إن أمثال هذه التأديبات في القرآن لا تحصر ، وهو عليه
السلام المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ، ثم يشرق ذلك النور على كافة
الخلق فإنه أدب بالقرآن ، وأدب الخلق به ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم
" بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق ، ثم لما
أكمل الله تعالى خلقه ، أثنى عليه ، فقال تعالى " إنك لعلى خلق عظيم " .
فكان صلى الله عليه وسلم ، أحلم الناس وأشجع الناس وأعدل الناس واعف
الناس ، وأسخى الناس ، وكان يخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويخدم في مهنة
أهله ، ويقطع اللحم معهن ، وكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد ،
ويجيب دعوة العبد والحر ، ويقبل الهدية ويكافئ عليها ويأكلها ، ولا يأكل
الصدقة ، ولا يستكبر على إجابة الأمة والمسكين ، يغضب لربه ، ولا يغضب لنفسه
وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه ، وكان يأكل ما حضر
ولا يرد ما وجد ، ولا يتورع عن مطعم حلال ، وإن وجد تمرا دون خبزا كله
وإن وجد شواء أكله ، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله ، وإن وجد حلوا
أو عسلا أكله ، وإن وجد لبنا دون خبز اكتفى به ، وإن وجد بطيخا أو رطبا
أكله ، لا يأكل متكئا ولا على خوان ، ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام
متوالية ، حتى لقي الله تعالى ، إيثارا على نفسه ، لا فقرا ولا بخلا ، يجيب الوليمة ،
ويعود المرضى ، ويشهد الجنائز ، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس ، أشد
الناس تواضعا ، وأسكنهم في غير كبر ، وأبلغهم في غير تطويل ، وأحسنهم بشرا
لا يهوله شئ من أمور الدنيا ، ويلبس ما وجد من المباح ، يردف خلفه عبده
أو غيره ، يركب ما أمكنه ، مرة فرسا ، ومرة بعيرا ، ومرة بغلة شهباء ، ومرة
حمارا ومرة يمشي راجلا ، يحب الطيب ، ويجالس الفقراء ، ويؤاكل المساكين ،
ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم ، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم ، يصل ذوي
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 250
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٢٥٠