بالغذاء المادي : إذ أنه كان يرى أن حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، وحتى
أنه إذا لم يجد هذه اللقيمات ، فإنه كان يستحي - وهو الذي أوتي المعرفة ،
وأنزل عليه الوحي ، وكشف عنه في اليقظة والمنام ما أعد الله له - كان
يستحي أن يطلب من ربه رزقا ماديا ، وكان يرى الصبر في سبيل الله ، هو
الموصل إلى الله !
محمد رسول الله ، باعث الدعوة للهدى ودين الحق ، كان يقضي الأيام
الكثيرة والليالي الطويلة من غير لقيمات صغيرة ، فكان يقضي أيامه ولياليه
طاويا ، يربط الحجر على بطنه ، ليعينه ذلك على تحمل ألم الجوع !
وكان له في لذته الروحية ، من مناجاة ربه ، والتهجد في ليله ، والعمل لنشر
الدعوة الإسلامية لهداية الناس ، أكبر صارف له عن التفكير في
ماديات نفسه !
لقد نعم محمد رسول الله وحبيبه ، بمعرفة الله ، فكان له من المعرفة خير هاد
ولقد نعم بتوفيق الله ونصره ، فكانت روحه صلى الله عليه وسلم ، أسمى من أن
تعنى بشؤون جسمه ، ومن أن تفكر في غذائه إلا بما يقيم الصلب !
لقد كان نبينا الكريم مراقبا ربه ، فكان يأكل كل ما يقدم له ، شاكرا
ربه على ما أنعم ، انظر إلى ما رواه يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنهما ،
إذ قال " أخذ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كسرة من شعير ، فوضع عليا
تمرة ، وقال هذه إدام هذه ( 1 ) " ، فإنك تجد في هذه الرواية ، قناعة الزاهدين
وانظر إلى ما رواه جابر رضي الله عنه ، إذ قال " إن رسول الله ، صلى الله عليه
وسلم ، سأل أهله الأدم ، فقالوا ما عندنا إلا الخل ! فدعى به ، فجعل يأكل
ويقول " نعم الإدام الخل ! نعم الإدام الخل ( 2 ) " فإنك تجد في هذه الرواية ،
شكر الصابرين !
وكان نبينا الكريم يمدح الزهد ويحث على حب الفقراء ، وكان يرى الزهد
في ألا يقبل الإنسان على الدنيا أو يعرض عنها ، بل بأن يرضى بما يعطيه الله
هامش
( 1 ) راجع ص 359 ج 2 من تيسير الوصول للشيباني .
( 2 ) راجع ص 348 ج 2 من تيسير الوصول للشيباني .