" قال الكاتب " يا معلم إن كلامك حق ، ولذلك قد تركنا كل شئ لنتبعك ،
فقل لنا إذا كيف يجب علينا أن نبغض جسدنا ! الانتحار غير جائز ، ولما كنا
أحياء وجب علينا أن نقيته ! أجاب يسوع : احفظ جسدك كفرس ، تعش
في أمان ، لأن القوت يعطى للفرس بالمكيال ، والشغل بلا قياس ، ويوضع
اللجام في فمه ليسير بحسب إرادتك ، ويربط لكيلا يزعج أحدا ، ويحبس
في مكان حقير ، ويضرب إذا عصى ، فهكذا أفعل إذا أنت يا برنابا ، تعش دواما
مع الله ! ولا يغيظنك كلامي ، لأن داود النبي ( 1 ) فعل هذا الشئ نفسه كما يعترف
قائلا " إني كفرس عندك وإني دائما معك " ألا قل لي أيهما أفقر ؟ الذي يقنع
بالقليل ، أم الذي يشتهي الكثير ؟ الحق أقول لكم ، لو كان للعالم عقل سليم
لم يجمع أحد شيئا لنفسه ، بل كان كل شئ شركة ، ولكن بهذا يعلم جنونه ،
إنه كلما جمع ، زاد رغبة ، وإن ما يجمعه ، فإنما يجمعه لراحة الآخرين الجسدية ،
فليكفكم إذا ثوب واحد ، ارموا كيسكم ، لا تحملوا مزودا ولا حذاء
في أرجلكم ، لا تفكروا قائلين ماذا يحدث لنا ، بل فكروا أن تفعلوا إرادة
الله ، وهو يقدم لكم حاجتكم ، حتى لا تكونوا في حاجة إلى شئ " الحق أقول
لكم إن الجمع كثيرا في هذه الحياة ، يكون شهادة أكيدة على عدم وجود شئ
يؤخذ في الحياة الأخرى ، لأن من كانت أورشليم وطنا له ، لا يبني بيوتا
في السامرة ، لأنه توجد عداوة بين المدينتين ( 2 ) " !
هامش
( 1 ) كان سليمان عليه السلام أعظم فلاسفة اليهود ، ولذا سموه بالحكيم ، وكان
ملكا نبيا ، وكانت فلسفته قاصرة على الزهد والورع والتقوى ، مع أقوال الحكمة
التي نطق بها بعد أن اختبر بنفسه حلو الدهر ومره ، ونال من دنياه ما ليس بعده
مطمع لطامع ، ثم رأى أن ذلك كله قد انقضى وزال ، ولذلك افتتح كلامه الفلسفي
بقوله " باطلة الأباطيل ، وكل شئ على وجه الأرض باطل " ، وقد ضم سفر سليمان
إلى التوراة بعنوان نشيد الإنشاد ، على أن أباه داود عليه السلام أقدر منه بالشر ،
ويجب الإيمان بزبور داود ، وهو آية آيات البلاغة . راجع ص 29 من خواطر
في الإسلام ج 1 للمرحوم الأستاذ عطا حسني .
( 2 ) راجع ص 35 و 36 من إنجيل برنابا .