ولما كان للباري معنى غير المبروء ، ولو حد له وراء إذا حد له أمام ، ولو التمس
له التمام إذا لزمه النقصان ، كيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث ، وكيف
ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الانشاء إذا لقامت فيه آية المصنوع ، ولتحول دليلا بعد
ما كان مدلولا عليه ليس في محال القول حجة ، ولا في المسألة عنه جواب ، ولا في
معناه له تعظيم ، ولا في إباءته عن الخلق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثني ، وما لا بدء
له أن يبدأ ، لا إله إلا الله العلي العظيم ، كذب العادلون بالله ، وضلوا ضلالا بعيدا ،
وخسروا خسرانا مبينا ، وصلى الله على محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين " ( 1 ) .
وحوت هذه الخطبة العظيمة غوامض البحوث الفلسفية والكلامية ، وقد
ظهرت فيها القدرات العلمية الهائلة للإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وانكشف
للعباسيين زيغ ما ذهبوا إليه من عجز الامام وعدم قدرته على الخوض في البحوث
العلمية ، ومن المؤكد ان معظم المستمعين لخطاب الامام لم يفقهوا هذه المسائل
الفلسفية التي عرضها الإمام ( عليه السلام ) ، والتي تناولت أهم قضايا التوحيد .
الخطبة التي كتبها الامام للمأمون :
وطلب المأمون من الإمام الرضا ( عليه السلام ) أن يكتب له خطبة ليقرأها على
الناس حينما يصلى بهم ، فكتب ( عليه السلام ) له هذه الخطبة الجليلة وقد جاء فيها
بعد البسملة :
" الحمد لله الذي لا من شئ كان ، ولا على صنع شئ استعان ، ولا من شئ
خلق ، كما كون منه الأشياء ، بل قال له : كن فيكون .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الجليل عن منابذة الأنداد ،
ومكابدة الأضداد ، واتخاذ الصواحب ، والأولاد وأشهد أن محمدا عبده المصطفى ،
وأمينه المجتبى ، أرسله بالقرآن المفصل ، ووحيه ، الموصل ، وفرقانه المحصل ، فبشر
بثوابه ، وحذر من عقابه ، ( صلى الله عليه وآله ) .
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكتمون ،
فان الله لم يتركم سدى ، ولم يخلقكم عبثا ، ولم يمكنكم هدى . . . الحذر ، والحذر عباد
الله فقد حذركم الله نفسه ، فلا تعرضوا للندم ، واستجلاب النقم ، والمصير إلى
هامش
( 1 ) التوحيد ( ص 34 - 41 ) .